وبسؤالهم من أين أتوا؟جئنا من عالم أصابه الجنون

308
أحار دائمًا في كتابة المقدمات، لاسيما إذا كانت هذه المقدمات منوطة بتوثيق آلام أطفال أبرياء -ضحايا الحروب- تدمي قلبي، وتندي جبيني، وتصيب لساني بالتلعثم. فكنت تارة أحاول تدوين هذه الآلام في صورة قصصية؛ لتوثيق مسحة من أحاسيس وعواطف هؤلاء الأطفال الممتهنين، وتارة أخرى أوثق هذه الآلام في تحليلات تتواءم مع معرفتي المحدودة ومتابعتي للأحداث المتواترة، مع إقران هذه التحليلات ببعض قواعد القانون الدولي العام – القانون الدولي الإنساني– التي وضعها القانونيون؛ للحفاظ على أرواح الأطفال في وقت الحروب. لم أيأس قط من استمرارية التشابك مع هذه الأحداث المريعة عن طريق توثيقها في صورة كلمات منمقة -استخدام أداة الكتابة- تصبو ناحية إفراغ جذوة الغضب الملتهبة في صدري؛ وأملًا في تحسين الأوضاع إلى الأفضل، وفي نقل هذه المعاناة التي يتعرضون لها إلى غير المكترثين بأوضاعهم، وتوثيق آلام من سلبت منهم طفولتهم، وعزائي الوحيد لنفسي ولذويهم ولمن تشغلهم آلامهم، أنهم الآن في عالم آخر لا يعرف عن الحروب شيئًا، وخالٍ من الضغائن والبراجماتية، ويسوده العدل الإلهي، بل ينظرون إلينا ووجوههم تزدان بالابتسامة. ولكني في هذه المرة سئمت من العبارات المتلفعة بالشجب والاستنكار والأسى التي أستخدمها دائمًا في كتاباتي -لرثاء أحوالهم- التي توثق مثل هذه الآلام التي لا يمكن معالجتها إلا عن طريق وضع القوانين الدولية -لا سيما القانون الدولي الإنساني- التي تحفظ حقوقهم في الحياة وطفولة طبيعية موضع التنفيذ، والتعامي عن الحقيقة التي بدأت في دق نواقيسها. للأسف، رويدًا رويدًا؛ ستتبلد مشاعر الرأي العام كما تبلدت مشاعر الممسكين بتلابيب المسؤولية في عالمنا اليوم، من الحكام، ومعاونيهم، وأذنابهم. بات قتل الأطفال الأبرياء من اليمن، إلى سوريا، إلى فلسطين، إلى العراق، إلى ميانمار أمرًا معتادًا متداولًا في كل وسائل الإعلام المختلفة، لساعات محدودة تستشري عبارات الشجب والاستنكار والأسى بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي والصحف بأنواعها، وأصحاب وصاحبات الرأي، والمذيعين، والمذيعات، ثم يدثر هذا الحراك بصمت عميق مرصع بالخوف من تعقب الأجهزة الأمنية، وبالقنوط من إمكانية تغير الأوضاع للأفضل ، وكأن شيئًا لم يحدث. بالوثب من خانة رثاء أحوالي وأحوال عالمنا إلى خانة الحقيقة القاسية؛ هناك تساؤلات سأسعى جاهدًا لتوجيهها يومًا ما، إلى من يمسكون زمام الأمور في بلاد العرب -جامعة الدول العربية- بأيديهم المخضبة بدماء هؤلاء الأطفال؛ ما الجدوى من وجودكم في مناصبكم التي تلهثون وراءها، وتغتنمون بصيص الفرص لاهتبالها بعضكم من بعض؟ متى يستيقظ ضميركم من سباته العميق؟ متى تصارحون أنفسكم، وتسلمون إلى مسلمة يصرخ بها الضمير الإنساني في كل مرة تجتمعون فيها، أنكم مجرمون ومكانكم الطبيعي هو قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية؟ إلى متى تتزلفون بعضكم إلى بعض على أنقاض طفولتهم المسلوبة؟ لماذا لا تفلحون في شيء سوى التنكيل بشعوبكم، لا سيما بأصحاب الرأي والمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان؟ لماذا تصدعون رؤوسنا بشعارات شعبوية وديماجوجية رديئة؛ إن داوت فإنها تداوي عواطف الشعوب العربية الجياشة، ولكنها تنخر في جروحهم المتقيحة على أرض الواقع؟ لذلك لا داعي لاستغفالنا أكثر من ذلك؛ لأن الحقيقة المستقاة من واقعكم الرديء الذي وضعتمونا فيه؛ أن لا جدوى من وجودكم، وأن ضميركم صار مطية لتلبية مقتضيات مساوئ طبيعتكم البشرية، الذي غَدا أداة طيعة في يد مثالب الطبيعة البشرية، تتحركون ناحية الحفاظ على كرامة الطفل العربي إذا اقتضت المصلحة ذلك، وتشيحون بوجوهكم، وتصمون آذانكم عن استغاثاته إذا اقتضت ذات المصلحة ذلك، أما بالنسبة للمصارحة فلا توجد مصارحة تحت لواء المكيافيلية، وأما عن تعقب المدافعين عن حقوق الإنسان وأصحاب الرأي، فلأنهم هم المرآة التي ترون فيها قبحكم واستبدادكم.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك