أسطورة الموتى الذين لن يذكرك أحدٌ بمحاسنهم

523

وقتها كان جورج وسوف مريضًا فيما خشي منه البعض أن يكون مرض موته، لم تكن أخبار مرضه جديدة أو مفاجئة لمحبيه، ولربما كان في كل مرة - بصحته المتداعية طول الوقت - يوقع قلوبهم خيفة من أن تكون تلك هي النهاية، غير أن هذه المرة كانت - حقًا - الأخطر، ظل الرجل حبيس غرف المستشفيات لعامين مصابًا بجلطة دماغية، ولكن الله سلم وخرج سلطان الطرب ليطلق أغنيته "ذكريات" التي جاءت كمرثية ذاتية يستعرض في الكليب الخاص بها مشاهد مسجلة لرحلته عبر السنين لبناء السلطنة التي تربع على عرشها، ويرثى لحاله بكلماتها الحزينة، بدا كمن يستشرف اقتراب النهاية، ومع إطلالته على الرحلة التي خاضها شعر أنه "بعد ما عشت سنين سوّاح، لازم قلبي في يوم يرتاح"، بدا في كل ظهوراته الإعلامية بعد ذلك منهكًا، ولربما استأخر تلك الراحة التي يتمناها لقلبه.

لكن "ذكريات" لم تكن المواساة الأجمل لأبو وديع، فحينما كان في غيبوبة طالت به آنذاك ورفعت مستويات القلق لدى الجميع إلى أقصاها، أراد أحد محبيه ممن ساروا على دربه في الطرب أن يتمنى له الشفاء على طريقته، فأصدر "حبيب الملايين"، الأغنية التي نسج كلماتها من عناوين أغاني السلطان فلم يخرج عن نصوصها إلا بكلمات قليلة تربط بين الجمل وبعضها، ومع ذلك لم تخرج الأغنية على أي قدر من الركاكة، لن تشعر بأي نشوز أو عدم تناسق بين تلك الكلمات عند سماعها، ومالم تكن أحد "الوسوفيين" فعلى الأغلب لن تلاحظ أن تلك الكلمات ليست سوى تجميعة أقرب للقص واللصق تم اختيارها بعناية لأسماء وعبارات 15 أغنية من أغانيه على مدار العقود والشعراء المختلفين الذين عمل معهم، لم يفكر أحد يومًا كيف يمكن أن تتراص تلك الأغاني لتشكل هكذا مواساة لصاحبها، وفي الواقع فإنك مالم تكن أحد هؤلاء الوسوفيين فلن تكتشف أصلا أن الذي يغني شخصًا آخر، ربما حتى ستفوتك تلك الصدفة البديعة المتمثلة في أن الوسوف كنيته أبو وديع بينما المغني الشاب اسمه وديع مراد ليسمح له ذلك في الأغنية بمخاطبته كأب حقيقي كناية عن الأبوة الروحية "من قلب وديع يا أبو وديع انت الهوى والهوى سلطان".

فكرت أن تلك الأغنية يمكن أن تكون أجمل رثاء يتلقاه أحدهم يومًا ما، ربنا يمد في عمر وصحة وطرب السلطان طبعًا، أقصد الفكرة نفسها، أن تكون مطربًا فينسج أحدهم من كلمات أغانيك مرثية لك بهذا الجمال هذا هو أكبر تقدير واعتراف بعظمتك ولا شك، دعنا ننتقل إلى شخص آخر حتى لا يتهمنا أحد بالتفويل على السلطان.

العام الماضي صدر فيلم Loving Vincent، وأنا لست من هواة الرسم ولا عشاق فان جوخ ولكن الفيلم أصابني بنفس النوعية للإعجاب الذي أثارته أغنية "حبيب الملايين"، لكن مع فارق كبير في الانبهار لصالح الفيلم بالطبع، هذه المرة ذهب الإخلاص والإتقان ببعض محبي فينسنت فان جوخ لرسم أكثر من 65 ألف لوحة زيتية، بواسطة أكثر من 100 رسام، على مدار خمس سنوات كاملة من العمل، لخلق عالم كامل كما تصور فينسنت الحياة في لوحاته، هذه اللوحات التي لم تنل التقدير الكافي في حياة صاحبها ومات فقيرًا، جاء هؤلاء الفنانون اليوم ليبثوا فيها حركة وصوتًا وحوارًا بين أبطالها، كان الرسام الواحد من فريق الفيلم يستغرق حوالي شهر كامل لرسم ثانية واحدة منه، وهو ما يعني أن متوسط حصيلة خمس سنوات عمل لكل رسام منهم هي دقيقة واحدة في الفيلم أو أقل، ليست الأرقام هي ما يهم بالدرجة الأولى وإن كانت دلالتها لا تخفى، ولكن ما يهم هو حقيقة خلق هذا العالم من ثنايا لوحات ذاك الفنان، أي محظوظ يمكن أن يلقى رثاءًا بهذا الإبداع والجمال؟

***

السيرة التي تبقى للإنسان بعد موته تشغلني منذ فترة، أجدني عند كل خبر موت أهتم بالأساس لمعرفة كيف سيتحدث الناس عن هذا الميت؟ ولماذا يتحدثون عنه هكذا؟ واحدة من سخريات القدر من الحياة هي أن الإنسان يعيشها وفقًا لتصوره عن الموت، إن كنت تظن أن موتك هو نهاية المطاف، أو تظن أن بعده حسابًا، فضلا عن تصورك لكيف يكون الحساب وعلام ستحاسب ومن الذي سيحاسبك؟ أو تؤمن بمعتقدات من قبيل أنك ستبعث كائنًا آخر في حياة أخرى وأنك أصلا لست إلا روحًا كانت كائنًا آخر في حياة سابقة، هذه التصورات المختلفة وغيرها عن الموت ترسم شكل الحياة التي ستعيشها، وليس تصورك عن موتك وحده هو ما يشكّل حياتك، يؤثر في ذلك أيضًا - بدرجة أقل أهمية - تصورك عما ستتركه من أثر بعد ذلك، أي سيرة ستتركها خلفك؟ ماذا سيقول التاريخ عنك؟ كيف هي "الخلفة" التي ستحمل اسمك من بعدك؟ المستفز وغير المفهوم بالنسبة لي هنا، أن الإنسان لن يعيش ليرى هذا الأثر أو يستفيد به، فلم كل هذا الاهتمام بما ستترك؟ لعلنا فقط نتأثر بما تركه القائد فلان من تاريخ عطر تلهج الألسنة بالثناء عليه، وما تركه الحاج علان من خلفة ترفع الرأس وتشرف العائلة، فنرغب بسيرة كسيرتهما، لكن القائد والحاج أنفسهما لا يعلمان ولا يهمهما في قبريهما - في الأغلب - ماذا قال التاريخ والعائلة، ثم إن الدنيا دوّارة والتاريخ قلّاب وكم من قائد مجّده التاريخ لعقود أو حتى قرون، وأقصد هنا التمجيد الصادق حقًا لا التهليل للمستبدين، حتى يحسب البعض أن مجده خالدًا، ثم يتجاوزه الزمن ويتبين للبشر بطلان مسارات هذا القائد، فتنصب على أم رأسه وسيرته لعنات الخلق أجمعين!

بلغ انشغالي بالموضوع أن فكرت أكثر من مرة في إذاعة نبأ موت زائف لي، فقط لأطالع ردود الأفعال على الخبر، وليكن خبر موتٍ خالي من البطولة والشهادة، أو من الدراما الزائدة كما في الحوادث المروعة أو الأمراض القاتلة، حتى لا يستجلب ذاك مزيدًا من التعاطف والرثاء غير المرتبط بشخصي وإنما مرتبط بظروفي، أريده خبر موتٍ محايد خالي من الدراما إلا دراما الفقد المجردة، لأكون أول إنسان، أو واحدًا من البشر القلائل المحظوظين الذين قرأوا نعيهم وهم أحياء، لست "عاهر شهرة" صدقني، ولست مترفعًا عنها أيضًا، أنا في النهاية إنسان أحب الشهرة والمال والمجد والنساء وغيرها من نقاط الضعف البشرية الشهيرة، لكني فقط أحاول ألا أفقد احترامي لذاتي في سبيل حصولي على كل ذلك، وحينما أفكر في كلفة إرضاء هذا الفضول الذي ينتابني، من فزع للأحباب يتبعه - عند كشف الحقيقة - سخط وكراهية وقطيعة على الأغلب، فإنني أدرك مدى طيش الفكرة وأنانيتها.

***

لنترك أفكاري الطائشة جانبًا، ولنعد إلى سيرة الموتى، يجعل كلامنا خفيف عليهم.

من المعلوم عندنا كلما ماتت إحدى الشخصيات العامة المتمتعة بقاعدة كراهية عريضة، أنه حينما يبدأ الناس بتداول أسباب تلك الكراهية، رافضين الغفران للشخص لمجرد موته، أن تخرج الأصوات المنادية أن "اذكروا محاسن موتاكم"، هذه الأصوات ساذجة إلى حد بغيض بالنسبة لي، اذكروا محاسن موتاكم حينما يكون الميت صديقًا أو شخصًا عاديًا خلت حياته من جدل أو ضجة تذكر، لا داعي حينها مثلا لذكر مساوئ من قبيل "ياختي دا كان إيحة، دا كان بيفطركم في موائد الرحمن ومفهمكم إنه مطعم"، لكن حينما يكون الميت فنانًا أو عالمًا فلا مفر من تناول أعمال هذا الفنان أو العالم بالتحليل والثناء والنقد، موته لن يمنح أعماله قدسية، وحينما يكون شخصية عامة فلا مانع من تناول مواقفه الأخلاقية بالإشادة أو الإدانة، لسنا مضطرين للاتفاق مع كل مواقفه والتعامي عن مواقفنا نحن لمجرد موته، ولا نستطيع أيضًا التعامي عن مواقفه مادام ثمة تأثير له على بعض البشر هنا وهناك، كما أننا لن نمحوه من التاريخ وننساه تمامًا بموته، وحينما يكون مجرم حرب أو سياسة أو فاسدًا نهب أقوات الخلق، فلا تهاون في التذكير بجرائمه بل وصب اللعنات على روحه، إما ليقف الناس على حقيقة ما أفسده هذا الرجل في حياتهم ولا ينخدعون بدعاوى ذكر محاسنه، والأهم لئلا يحسبن المجرمون بعده أن الموت سيشفع لهم ويطهر سيرتهم في التاريخ مما ارتكبوه من جرائم في حق البشر، في الحقيقة يذكرني هؤلاء الداعون لذكر المحاسن بنكتة لا يتسع المقام هنا لذكرها للأسف.

في المقابل، لا يحتاج الطيبون لأن يذكرك أحد بمحاسنهم، ستملأ الأجواء وحدها، أجواء مواقع التواصل الاجتماعي غالبا بما إنها وسيلة التفاعل الأهم والأبرز في زمننا، مثل أغنيات جمالات شيحة التي أغرقت الصفحات جمالًا يليق بالحزن عليها، وحزنًا استحقه جمال وجودها.

 حينما غيّب الموت أحمد خالد توفيق، بادر أحد محبيه عند دفنه بالكتابة على ورقة صغيرة "جعل الشباب يقرأون"، الجملة التي تمنى العرّاب وضعها على قبره، لم يبد أن هذا المحب - الذي كتب الجملة بقلم جاف على ورقة صغيرة - قد أعد للأمر مسبقًا، ربما تذكره فقط لحظة نزول الجثمان تحت التراب، ومضت في ذهنه أمنية العرّاب فقرر تحقيقها من فوره، بالتأكيد لم يفكر يومًا أنه من سيحقق هذه الأمنية الحزينة لأبيه الروحي، ثم توالت عشرات الورقات مثلها، لكل محبٍ نعيه الخاص على باب قبر أبيهم الروحي، ليصبح بدوره أجمل باب قبر يمكن لكاتب الحصول عليه، ولا أظن أن كاتبًا حظي بشاهد قبر كهذا، إن كان لنا أن نجمع بين القبر والجمال في جملة واحدة!


إلى هنا كان الموضوع جميلًا، لكن الكتابة على شاهد قبر ليست بالفكرة الجديدة أليس كذلك؟ جميلة طبعا، وكم الكتابات وتنوع مشاربها سابقة ربما لم تحدث في التاريخ، ولكنها ليست مفاجئة إلى حد كبير، ما كان مفاجئًا حقًا، هو أن تأتي واحدة من محبات الدكتور لتطلق اسمه على أحد النجوم في السماء، لا أعلم ما وظيفتها التي تؤهلها لذلك، لكني موقن بأنه لم ولن يحصل كاتبٌ أو أي إنسان على هكذا رثاء، ثمة نجم يسبح في الفضاء الآن واسمه الرسمي "أحمد خالد توفيق"، ليتحول أشهر مجازاته إلى حقيقة في رثائه، سيبقى حبك - حرفيًا وبشكل علمي - حتى تحترق النجوم يا عرّاب!



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك