لماذا كان أطفال تايلاند أهم من أطفال سوريا؟

500

تابع العالم كله تقريبًا بقلق واهتمام بالغين قصة الاثني عشر طفلا التايلانديين، الذين حوصروا بالسيول في كهف لا عاصم فيه من أمر الله إلا من رحم، ومن لطف الله أنه رحم، وبفضل تضامن الإنسان مع أخيه الإنسان فإن هؤلاء الأطفال الذين دفعتهم غواية المغامرة مع مدربهم إلى أغوار الجبال قد أصبحوا اليوم سالمين في أحضان أحبائهم.. مشهد جدير ببث آمالنا في الإنسانية التي تمزقها اليوم دعاوى الكراهية وتتصاعد أصوات زعمائها منذرة بحرب عالمية ثالثة، غير أن ما نغص هذا المشهد على متابع عربي مثلي هو السؤال الذي ما فتئ يتكرر بغضب محموم في بعض تعليقات الجمهور على كل صفحة تابعت الخبر: أين هذه الإنسانية التي تدعون وأطفال سوريا يُقتلون بالمئات كل يوم؟

لم أستطع حقا التوصل للإجابة المرضية لأصحاب السؤال، هل نترك أطفال تايلاند للموت مثلًا حتى نحل مشكلة سوريا؟ أنترك جُل الإنسانية التي لم ندركها كلها؟ لم أر في السؤال إلا إصرارًا سخيفًا من بعض أفراد المجتمعات العربية والإسلامية على المزايدة بالمظلومية على سائر البشر بمناسبة ودون مناسبة، لدرجة تجعلني أعتقد أن هذه النوعية من البشر تلجأ لمظلوميتها فقط لتبرر لنفسها بلادة مشاعرها تجاه مآسي البشر الآخرين، فلو كان الهدف هو الحصول على دعم العالم لقضيتهم فعلا لوجدوا ألف فرصة لذلك غير استغلال مأساة يتعرض فيها 12 طفلا كل لحظة لخطر الموت ليزايدوا فيها على من يتعاطف معهم، على الأقل كان بالإمكان الانتظار وإبداء الدعم والتضامن حتى زوال الخطر ومن ثم سيصبح الوقت مناسبًا والسؤال مشروعًا والمزايدة على طريقة "اعتبرهم تايلانديين يا أخي"، لا تخلو من وجهة نظر، تكلل الأمر بترديد محمد البرادعي للسؤال نفسه لكن للأمانة دون المزايدة على بقية العالم.

تكرار السؤال بإلحاح، خصوصًا وأن أغلب من رددوه كانوا يوجهون من خلاله أصابع اتهام مبطنة لكل متعاطف مع هؤلاء الأطفال، دفعني للتفكير ومحاولة إيجاد إجابة جادة عن سبب اهتمام العالم باثني عشر طفلا تايلانديا أكثر من آلاف الأطفال السوريين.

أولا؛ لعلك سمعت من قبل بمقولة الفيلسوف وعالم الأحياء الفرنسي جان روستاند "اقتل رجلا وستكون مجرما، اقتل الملايين وستصبح فاتحا، بطريقة ما يثبت البشر صحة هذه المقولة بالفعل، إذ أن موت إنسان بشكل مأساوي - سواء بجريمة أو غيره - هو حدث مركز يستطيع المرء التعامل معه بسهولة بالتعاطف والبحث والتحليل ليخرج بنتيجة واضحة، أبيض أو أسود، أما موت الألوف في حرب لا تمسّك بشكل مباشر يتحول لقضية جدلية، مع من أنت وضد من؟ ما دوافع كل طرف؟ ومن فيهم صاحب القضية العادلة؟ وعشرات الأسئلة التي تحتاج للإجابة عليها لتحدد موقفك، وفضلا عن ذلك، فإن التركيز على تفاصيل الحياة الشخصية للفرد الذي مات قادر على خلق تعاطف أكبر بكثير مما يخلقه موت الألوف الذين يتحولون عند الموت جماعة للأسف الشديد إلى أرقام، لأن موتهم بشكل مكثف وفي ظروف واحدة لا يسمح لنا باستعراض حياتهم كلها، لا أسوق هذا كمبرر، وإنما هذه هي الطريقة التي تعمل بها مشاعرنا للأسف، لذلك فحينما ترغب أمريكا بكسب تعاطفنا مع جيشها فهي تعلم أننا لن نتأثر بمعلومة موت نصف مليون جندي منه في الحرب العالمية الثانية بقدر ما سنتأثر بقصة إنقاذ الجندي رايان، وتصبح قصة عازف يهودي هارب في ألمانيا النازية أكبر تأثيرا من رقم عن ملايين اليهود ضحايا المحرقة، وهنا في مصر حينما يرغب النظام بكسب تعاطفنا معه في حربه في سيناء فهو يعلم بدوره أن قصة "منسي الأسطورة" ستكون مؤثرة أكثر من خبر موت 100 ضابط وجندي مثلا، وحينما ترغب جماعة الإخوان بكسب تعاطفنا ضد مذبحة رابعة فهي تعلم أيضا أن قصة أسماء البلتاجي مثلا ستضمن ذلك أكثر من سرد أعداد المئات من القتلى، وبالمثل فلقد تحرك العالم لأجل السوريين حينما رأى جثة طفل رضيع على شواطئ أوروبا، وتعاطف مع الفلسطينيين حينما شاهد محمد الدرة يُقتل في حضن أبيه، أكثر مما يتعاطف مع أعداد الضحايا اليومية في سوريا وفلسطين.. إن مشهدًا إنسانيًا فرديًا يحكي عن التفاصيل الشخصية لحياة صاحبه لهو كفيل بجذب التعاطف للقضايا الكبرى أيا كانت القضية، فالأرقام الضخمة تخلق تعاطفا مبدئيًا ونظريًا مجردًا فحسب، لأنها فعلا تظل أرقامًا منزوعة من العاطفة والتعقيد والدراما الإنسانية التي تثير مشاعر الناس، أما الحكايات الشخصية فهي التي تورطنا عاطفيا بعمق مع أبطالها.


ثانيا؛ هناك فكرة الحدث الاستثنائي مقابل الاعتيادي، حينما تقع الكارثة للمرة الأولى تلفت نظر العالم، لكنها حين تتحول لخبر يومي على مدار سنوات، فإن عموم الناس يملون بطبيعتهم وينصرفون عن متابعة أخبارها طالما لم يجد جديد، هل فكرت مثلا قبل أن تبتز المتعاطفين مع فتية الكهف متى كانت آخر مرة تابعت أنت فيها ونشرت أخبار الأطفال الذين يموتون جوعا في أفريقيا كل يوم؟ ألم تفكر كذلك أن هؤلاء الأطفال بديهيا ليسوا أول أطفال يتعرضون للموت في تايلاند؟ هناك المئات يموتون كل يوم بأمراض أو حوادث أو جرائم قتل أو بكوارث طبيعية، لكنها أخبار اعتيادية، هذه المرة كان هناك حدث استثنائي استدعى كل ذاك الاهتمام، ليس في الأمر محاباة لأطفال تايلاند على وجه الخصوص، وهذا الحدث كان يتطور كل ساعة بشكل مثير للأعصاب كما لو في فيلم هوليوودي، وفي كل لحظة كان الأمل في إنقاذ حياتهم إما يتجدد وإما ينحسر، الخلاصة أن الدراما استمرت طوال أيام متابعة هذه المأساة، فضلا عن أن القصة بأسرها أول مرة تمر علينا، حتى أن الكثيرين ينتظرون إنتاج فيلم هوليوودي عنها، لكن لو كان الأطفال يغرقون وتجري محاولات إنقاذهم كل يوم بنفس الطريقة في تايلاند ما كان العالم ليتابع بهذا الاهتمام بطبيعة الحال.



ثالثا وأخيرًا؛ هناك فكرة احترام الإنسان، كان من الممكن أن تترك الحكومة التايلاندية الأطفال للموت وينحصر الموضوع في قضية إهمال يتم تداولها في أخبارهم المحلية لا أكثر، ولو كانت في

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك