النشطاء و"المكبرين" والتعديلات(1)

307

في الغالب لا أحب أن أتحدث عن المشاعر بلسان شخص آخر، ولا أحب أن أعطي نفسي أي ألقاب أو تصنيفات، لكن حتى أستطيع أن أتحدث عما بصدري وأستطيع ايصال فكرتي، أظن أنى مضطرة أن أكسر كلا القاعدتين، سأعتبر نفسي مصنفة ضمن المهتمين بالعمل العام، أو كما اعتاد الإعلام تسميتنا "نشطاء"، وأن أتحدث بلسان حال بعض أو كثير ممن يهتمون بالعمل العام أيضاً.

في البداية أحب أن أنوه، أني أتحدث عن ميول شخصية وليس مهن نتربح منها، ربما قد تدر علينا أموال بمهارات الكتابة أو التصوير أو اعداد الابحاث...إلخ، لكن الأكيد أن تلك المهارات كانت لتدر أموال ربما أكثر لو استغللناها في " الهلس" على رأي البُساطي لمن يتابع مسلسل أهو دا اللى صار.

فلماذا نشغل بالنا ونسهر ليالي، ونضيع تقريبا حياتنا الخاصة، ونعرض أنفسنا لخطر الاعتقال تارة، ولتهديدات سخيفة لأمننا تارة، وللخوف المقلق في منازلنا.

لماذا نكلف نفسنا عناء مرهق وثقيل بأيدينا؟ هو خيارنا هذا صحيح؟ وهو خيار واعي، لا أحد اليوم يتحدث في الشأن العام بالرفض ثم يأمن أن يبيت ليلته في فراشه وليس في السجن أو التحديث الأمني الجديد الخاص بهم وهو أن تختفي، كالزميل زياد أبو الفضل من الإسكندرية، أو إسلام خليل الذي عانى الأمرين!

كلنا لنا أهل، أمهات، زوجات، أخوات، أباء وابناء... كلنا لنا حِمل مادي ومسؤوليات، والأكيد أن كلنا بشر.. نخاف، نقلق، نتوتر، نحب الحرية والنظافة والهدوء، نكره السجون وإن كنا لا نخشاها حقاً.

فمرة أخرى، السؤال هو "لماذا؟" لماذا نتكبد عناء الرفض؟ والوقوف في وجه المدفع؟ وفي حالة تلك الفترة السوداء، لماذا نتكبد عناء رفض التعديلات الدستورية، ونتحمل التبعات الثقيلة لهذا الرفض؟


في نقاط محددة أوضح لكم على أجزاء مدى سوء تلك التعديلات على حياة "المكبرين دماغهم" قبل أن تنصب على رؤوسنا، فتلك الخطوة جحيم سيغرقنا جميعاً فيه، ولن يسلم منه "المكبرين دماغهم" الذين تدعونا خوفاً ومحبة إلى الانضمام لصفوفهم، لذلك نقولها، حتى نفقد القدرة على الكلام، نرفض التعديلات الدستورية التي ستقضي على كل ما حققته الثورة، وستقضي مع الوقت على الدولة وتُهلك الوطن، وتغرقنا جميعاً فإن لم يكن اليوم سنعاني بسبب الرفض، سنعاني جميعاً شر المعاناة غداً، نشطاء أو "مكبرون" كنا!

تعديل مدة الرئاسة وإضافة مدتين جديدتين للسيسي خصيصاً!

بداية أذكر لسيادتكم المواد المراد تعديلها لتحقيق تلك الغاية وهي المادة 140، والمادة 226، وينصان على: المادة 140:

((يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة. وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يومًا على الأقل، ويجب أن تعلن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوما على الأقل. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة))

المادة 226:

((لرئيس الجمهورية، أو لخٌمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يُذكر في الطلب المواد المطلوب تعديلها، وأسباب التعديل. وفى جميع الأحوال، يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كليًا، أو جزئيًا بأغلبية أعضائه. وإذا رُفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي. وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد ستين يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور هذه الموافقة، ويكون التعديل نافذاً من تاريخ إعلان النتيجة، وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين في الاستفتاء. وفى جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أوبمبادئ الحرية، أوالمساواة، ما لم يكن التعديل متعلقًا بالمزيد من الضمانات.))

والسطرين في المادة 226 اللذين وضعنا تحتهما خط، يتم تسميتهم قانوناً بالمادة المحصنة، والتعريف القانونيللنص المحصن أو المادة المحصنة أنها في الدستور "نص يجعل تمرير تعديلات بعينها مستحيلا"وتخطي النص المحصن نفسه يتطلب استفتاء شعبي أو موافقة حزب الأقلية.

وفور إقرار النص المحصن، يجعل النص المحصن الدستور غير قابلة للتعديل بغير حق الثورة.

وعليه فإننا نوضح لكم مدى سوء المساس بتلك المواد ومحاولة تعديلها، بشكل يخص بطوننا وهي الأهم بلا شك، فمن لا يملك قوت يومه فلا يملك بلا شك رفاهية التفكير في الحرية! 

الشعوب العربية والشعب المصري خاصة صبور، ويعتمد دائما في تحمله لحكامه على المثال الشعبي "اصبر ع الجار السو يا يرحل، يا تجيله داهية تاخده" 

لكن للأسف دائما، كما فعل مبارك بعدما صبر الناس عليه ينتظرون موته أو رحيله واقتربت اللحظة بدأ تحضيراته لتوريث الحكم لابنه، وفوجئ المصريين إن الجار السوء وإن رحل سيورثها لابنه الأسوأ! 

وعليه تراكم الغضب حتى "رحلوه" فخلفه مرسي، فلم يمكث عام، حتى كره المصريين أساليب استحواذهم على حياتهم، وخرافات مشايخهم في الإعلام، وتحكماتهم في طريقة حياة المصريين، وحين كان أغلب الناس يقولون سنصبر أربعة أعوام ويغور، فوجئنا بالإعلام يؤكد انه باقي 8 سنوات بل 80 سنة! واتبعها إعلان دستوري يقضي على الدستور، الذي من الواضح أن كل رئيس يأتي يتخذ الدستور غريمه أو "ضرته" التي يجب أن يتخلص منها حتى يحكم منفردا!

فما كاد يثور المصريين على الحكم الإسلامي ومرسى حتى جاءنا رئيس عسكري، في البداية تمكن من صنع شعبية له عن طريق بدلة "ناصر" العسكرية ووعود الرخاء وعدم المساس بالأسعار ولقمة العيش، ووعود استحملوني 6 شهور، ثم عام، ثم عامين، ثم أربعة، ويستمر العهد يتمدد!

 وفي تلك الفترة التي كلما اقتربت على الانتهاء تمددت الضعف، كانت الأسعار ارتفعت عشرة أضعاف في كل صغيرة وكبيرة، ورفع الدعم، واقترضنا مليارات وتم تعويم الجنيه، ولم يجنْ المصريون إلامدن جديدة لا يملكون ثمن شراء متر فيها، ومدنهم القديمة مهترئة بالية آلية للسقوط، وسكك حديد تقود كالعادة للموت الأليم، وطرق تحصد الأرواح.

فعادوا مرة أخرى لحكمة اصبر على الجار السوء، فآتت الانتخابات الأولى بعد مضي 4 سنوات على حكمه، فلوحظ عدم اقبال عليها، خاصة بعدما اعتقل أو هدد بالسجن كافة منافسيه! 

وعليه خشي النظام ألا يحقق النسبة المطلوبة من الناخبين وتسقط شرعيته، فانتدب لنفسه منافس يرتضيه من حملة تأييد الرئيس نفسها! مهزلة صغيرة قضت على فرصة تحول الرئيس الحالي، لأول رئيس يحترم شعبه ويسمح بتداول السلطة سلميا!

وبعد مد باقته لفترة ثانية بشكل أثبت أننا نسير بخطى ثابتة نحو الهاوية، عاد الأغلب يرددون حكمة اصبر على الجار السوء، كلها 4 سنين أخرى وينتهي حكمه، والدستور يمنع كلية اعادة انتخابه ويمنع نهائي تعديل تلك المادة، بوضعه مادة محصنة، تمنع تعديل المادة الخاصة بالمدد الرئاسية.

ففوجئنا بأن الجار السوء لن يرحل، وأن عقد الإيجار قد قطعه، وأن لا محكمة لها سلطة عليه، وأنه وفقاً للعقد الجديد الذي يحاول كتابته، فهو باقي رغما عن الملاك 15 عام جًدد!

فتخيلوا سياساته الاقتصادية والأمنية التي آلت إلى إن تتحول الأسعار من 2 ج لكيلو الطماطم ل 8ج، ومن 6ج للدولار إلى 17ج، ومن 50 قرش للمواصلة إلى 200 قرش لنفس المسافة، وتضاعفت قيمة خدمات الكهرباء والغاز والماء ثلاثة وأربعة أضعاف، وتوقفت زيادة الأجور والمعاشات، وزادت نسب البطالة المقنعة، وزادت الطبقية وطحنت الطبقة الوسطي، وزاد الاستغلال، كل هذا في خمسة أعوام، فماذا سيحدث في استمرار تلك السياسات 15 عام!!

تلك المشاكل الاقتصادية المتوقع بالتسلسل المنطقي الخاص بالأحداث زيادتها بشكل مرعب حال استمرار الشخص الحاكم نفسه، ليست منفصلة عن باقي الأزمات الملحوظة بتدني الذوق العام وانتشار ظواهر اجتماعية مرعبة خاصة من زيادة معدلات الانتحار، والتحرش، وزيادة حالات القتل الأسري، وزيادة معدلات الطلاق، وبالطبع التدني العام والتدهور الاقتصادي له آثر مباشر فيزيادة معدلات الجرائم بأنواعها من سرقة ونصب وخلافه.

المليارات التي تم صرفها على مسسجد الفتاح العليم أو الكنيسة الأكبر في الشرق الأوسط، أو المدينة البراقة الجديدة عامة كلها، ألم يكن أولى بها بناء مصانع؟ أو مدارس؟ ألم يكن التعليم حل مثل التجربة الماليزية؟ ألم نكن نحن في مدننا القديمة أولى بها؟ أم ربما المقصود من تلك المعابد الضخمة الجديدة أن نصلي لله في أن يرزقنا الصبر على "الجار السوء حتى يرحل أو تجيله مصيبه تخده؟!"

بالإضافة للشق الاقتصاديوالاجتماعي، فإن تمديد الحكم رغما عن الدستور والقانون، يؤكد بدون أي تجميل أننا نودع للأبد مفهوم الدولة والقانون ونتجه نحو قانون الغابة، وقانون الغابة يعنى باختصار "اللي له حق يخده" مما يشجع على جرائم الإرهاب المرعبة ويدعم الأفكار الظلامية.

أذكركمبأن تعديل المادتين 140 و226 من الدستور المصري، بالرغم من المادة المحصنة، غير دستوري، ويقضي تماماً على شرعية هذا التعديل مما يعطيه مسمى الانقلاب بشكل رسمي على النظام الخاص بالدولة، هذا الدستور الذي قالوا عنه أنه أعظم الدساتير التي وضعت لمصر وصوت عليه الملايين بالموافقة، اليوم يهينوه لأجل شخص واحد؟ أليس من العقل أن نتفهم أن لا أحد يستحق أن يستمر في هذا المنصب لأكثر من ثماني سنوات! أليس من حق بلادنا أن تنعم بالاستقرار وتداول السلطة المريح مثل كافة بلاد العالم الأول؟ ألم نشبع من مهانة الإستبداد ورئاسة مدى الحياة!

وعليه فإن ما يحدث، ليس تعديل دستوري بقدر ما هو تشويه خطير للدولة وللمجتمع، سنتضرر منه جميعا مكبرين أو نشطاء، لذلك نحن من فهمنا كان واجب علينا أن نحاول، أن نحاول رفض الموت لنا ولكم بشكل مأساوي على مدى خمسة عشر عام.

تلك هي الكارثة الأولى في التعديلات، وليست أخطرهم برغم كل ما قدمناه، وسأستمر "إن لم أسجن أو أختفي" في توضيح باقي التعديلات، والتي لازالت قيد المناقشة وما وصل إلينا أنها ستكون أسوء مما عرض علينا بعد المناقشة في برلمان السلطة!، ما نفعله هو حقنا القانوني في مناقشة التعديلات الدستورية، وجزء من النقاش المجتمعي لتلك الاقتراحات القاتلة، لذلك لا للتعديلات الدستورية.

يتبع.



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك