خفيف الروح

310

هناك بعيدًا عن القاهرة الرمادية الموحشة، في ذلك الركن البعيد الهادئ تعيش صباح برفقة بناتها فوق قمم أحد الجبال في مدينة سانت كاترين، حيث العالم الموازي لذلك الصخب الذي نحياه، بعيدًا عن تكنولوجيا العصر والتحضر الذي يلهث وراءه الجميع، اختارت الحياة وسط الصخور التي حنت عليها، واحتمت بها من العالم أجمع.

في قلب الطبيعة التي طوعتها لخدمتها، وجدتها برفقة غنماتها تؤكلهم العشب وتسرح في ملكوت الله، سحر من نوع آخر لم أره قط في حياتي سلام داخلي يشع من وجهها الذي زادت الشمس من حمرته، تغزل النول وتصنع مشغولات يدوية هي وبناتها ذلك العمل هو وسيلة الترفيه الوحيدة بالنسبة لهن وفي نفس الوقت تدر عليهم الأموال بجانب رعية الغنم.

ست بنات أصغرهن ذات الخمس أعوام وأكبرهن على أعتاب العشرين يعشن في كنف والدتهن فوق جبال سانت كاترين، دون هواتف أو إنترنت أو مسلسلات أو الأسطورة رقم واحد في مصر، بعد أن هجرهن والدهن وذهب يبحث عن زوجة أخرى تنجب له الأولاد، لم تتأثر صباح بتلك القطيعة احتضنت بناتها واحتمت في ذلك الوتد الذي وهبها الله إياه فصخور تلك الجبال هي ونيسها الذي ينسيها مرارة الأيام، برغم أنها لا ترى في الأيام أية مرارة أصلًا! 

في رحلة لها وقع جميل على قلبي، ذهبت وزوجي ورضيعي إلى سانت كاترين أجمل مكان على وجه الأرض، منذ أن وطأت قدماي تلك المدينة الساحرة، وأنا أشعر بسلام وهدوء وسكينة لم أشعر بهم قط، وفي جولة بصحبة دليل بدوي يحمل من المروءة والشهامة الكثير صحبنا إلى تلك الصبوجة التي استضافتنا في بيتها، رحبت بي وأخذتني في جولة أخرى صغيرة في أركان ذلك البيت المنحوت في صخور الجبال، كل رقعة فيه لوحة بديعة رسمها المولى.

وعلى بساط بدوي ذي ألوان بديعة غزلته صباح بيدها جلسنا بجانب موقد صغير بدائي الصنع من فعل الطبيعة لا تخمد ناره أبدًا استعدادًا لأي عابر، سعدت عندما كنت أنا العابر وجلست على ذلك البساط أراقب الشاي الذي يغلى بداخل صفيحة نحاسية سودتها نيران الموقد، أنتظر بلهفة القدح الصغير ذي الحافة المكسورة، وبعد دقائق معدودة تذوقت كوب شاي وددت ألا تنتهي رشفاته، وأعطتني صغيرة المنزل ثمرة تين لم يكتمل نضجها بعد ولكنها أقسمت أن أتعحب من حلاوة مذاقها.

في الحقيقة لم أتعجب من حلاوة التينة، ولكني تعجبت من تلك المرأة التي استمدت قوتها من صلابة الجبال وحنانها من احتضان السماء لها وبناتها اللاتي وجدن العالم بين راحتيها، واكتفين بتلك الحياة الهادئة البسيطة ولكن بالقرب منها، طاقة عجيبة تجذبك إلى تلك المرأة تجعلك مشدوهًا من شدة الراحة المنبعثة منها، طاقة حب وعطاء متدفق كماء السيل الذي يهاجم منزلهما، يتلف فيه ما يتلف ولكنه يترك الخير والنماء بعده، تزهر زراعتهن فتتورد وجوههن.

مرة واحدة في الأسبوع تنزل من حصنها المنيع تبيع بضائعها من المشغولات اليدوية وتبتاع بعض الأغراض، وتعود مسرعة لمكانها الذي تشعر بانقطاع نفسها بمجرد الابتعاد عنه، ترى صباح أنها تمتلك كل شيء ولا تحمل أي ضغينة لأي أحد، تذهب بناتها إلى المدرسة لأنها ترى أن العلم نور وأنه لابد منه ولكنهالا تطمح أن تترك مكانها ذات يوم لأنها ارتضت به  وبالصخور ومياة السيول وحتى الثلوج التي تغطي البلاد.

عندما أستمع إلى أغنية "خفيف الروح" للرحل سيد درويس أتذكر صباح بطلتها وروحها الخفيفة، مجرد الموسيقى التي تبعث في نفسي السكينة أشرد في تلك المرأة خفيفة الروح التي تأنس بصحبة الطبيعة، بينما أنا جالسة أمام شاشة اللاب توب أستمع إلى عمنا سيد درويش وأتذكرها.. من قلب تلك الرمادية إلى مدينة السلام أبعث لك السلام وأتمنى أن أرشف الشاي من قدحك المكسور مرة أخرى، وأسمعك تلك الغنوة.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك