عن سرطان الثدي وأشياء آخرى!!

381

على بعد خطوات من مجلسي كانت فريدة تقف وسط مجموعة من السيدات لا تكف عن الحديث، ويستمعن لها بإنصات وتركيز، تجاوزت عقارب الساعة لفتها كاملة ولا زلن على نفس الوضع هي تتجاذب أطراف الحديث وهن يتابعها، لم يقطعها سوى جشاء إحداهن لم تستطع دموعها الاحتباس أكثر من 60 دقيقة، فانهمرت فجأة ليتبدل المشهد. لم ألتفت لهن فأحداث روايتي كانت أشد إثارة، وبينما أنا أرشف عصير البرتقال وعينايا مرتكزين في آخر سطر بالصفحة واليد الأخرى متأهبة لطيها، قاطعتني تلك الفريدة وأخبرتني أنها بحاجة إلى مساعدتي. جلست جواري على استحياء ثم قالت ، أنا فريدة مريضة سرطان ثدي صافحتني وعلى وجهها ابتسامة هادئة تخفي شحوبة بشرتها وتلك الهالات التي تحيط بأعينها، ارتكبت للحظة وبادلتها التحية دون أن أعرفها بنفسي، وانتظرتها لتبدأ حديثها ولكن تلك التي لم تتوقف لساعة كاملة عن الحديث بدت متلعثمة لا تجيد الكلام. كسر النادل الصمت البادي بيننا، وأخبرها إذا كانت تريد شيء، طلبت زجاجة مياه شربت بعضها ثم أخبرتني قصتها زوجة وأم داهم جسدها السرطان واستأصلت مشارط الأطبة أنوثتها، رحل عنها زوجها يبحث عن جسد آخر وطلب منها أن تبارك زيجته حتى يكرمه المولى، هكذا أخبرها!! تنجو من على حافة الموت بإعجوبة شديدة وتستعيد قواها،

ومن وقتها قررت أن تكون عون لتلك الجميلات المحاربات اللائي يداهمهن سرطان الثدي الذي يعصف بالحياة ويختبر معادن المحيطين بنا. تساعد بكل قواها الباقية في أن تخفف وجع إحداهن وتربط على قلب أخرى انفطرت من وحدتها، تقدم الدعم النفسي للمريضات وتعطي دورات تدريبية للفتيات تعرفهن أهمية الكشف المبكر وطريقة فحص الثدي بشكل شهري للتأكد من عدم وجود أي تغيرات. اعتذرت عن المقدمة الطويلة، وطلبت مني أن أسعدها في إيجاد حيلة لنخبر تلك الباكية التي قطعت حديثها بأنها لا زلت جميلة فهي تتفحص نظرات الغرباء وتخشى الحديث معهم لأن العلاج بدل ملامحها وجسدها، فكرت فريدة إذا أخبرها أحد الغرباء ذلك ربما تقتنع وتكف عن البكاء. قد يبدو الحديث عن تلك الفريدة من محض الخيال، ولكني سعدت بأن كنت أنا الغريبة، سلام ومحبة عليكي وعلى الباكية الجميلة، بل جميلة الجميلات، وعلى كل محاربة تواجه وتقاتل في صمت.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك