مصر...عن إزدواجية مؤيدي اليمين الديني

468
في مشهدين متكررين؛ تثبت من هواجسي التي كنت أدرأها بصورة مستمرة رأفة بما تعرض له فصائل اليمين الديني في مصر. فهنا زميل الدراسة الذي كان ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين أثناء المرحلة الثانوية، وما زال ينتمي إليها فكريًا بعيدًا عن التنظيمات التي تشتت تحت وطأة الأحداث التي بدأت 3يوليو (تموز) 2013 يشيد في كل مناقشة تدور بيني وبينه حول ديناميكية التحولات السياسية والاجتماعية بسياسة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويصفه بأنه ذو حنكة سياسية ودهاء منقطع النظير، وإذا تدخلت بوجهة نظري التي ترتأي أن الرئيس التركي له ممارسات قمعية إزاء معارضيه تكون الإجابة بأن هذه الممارسات جزء من دهائه وسطوته على المجتمع السياسي التركي كما تبلور شخصيته القيادية؛ فبالتالي بصورة ضمنية يقر صديقي بأن (الثعلب التركي) على حد وصفه (سلطوي). وهناك في بيت أحد أفراد عائلتي أحتدم نقاش بيني وبين أقاربي ذوي التخصصات الدراسية المختلفة منبتة الصلة بالعلوم القانونية والسياسية كما تتسم معرفتهم بالضحالة على عكس قناعتهم الزائفة التي يحاولون أن يدعموها بحجج في الواقع أنها تعضد وجهة النظر هذه، فدار النقاش هذا حول الأحداث التي حدثت في مصر مع تكيل كيل من الاتهامات المكارثية لقوى التيار المدني وإشادة ما بعدها إشادة بالرئيس السابق محمد مرسي، وإن كانت هذه الإشادة تخللها تقريع للرئيس المعزول؛ لأنه لم يتخذ إجراء قمعية إزاء المواطنين والمواطنات الذين نزلوا في ميدان التحرير، وعزف عن اعتقال المحرضين على تظاهرات 30 يونيو (حزيران) من أعضاء جبهة الإنقاذ والنشطاء المعارضين له، ولم يتخذ أيضًا إجراء حاسم حيال الساخر (الدكتور باسم يوسف)، على غرار الرئيس التركي الذي لم يتورع عن التنكيل بالمعارضين له والزج بهم في غياهب السجون. بالرغم من الصدمة التي تشكلت في نفسي إزاء موقف مؤيدين فصيل سياسي تجرع مرارة التنكيل به على مدى العقود الماضية، إلا أن هذين المشهدين عكسا ازدواجية مقيتة في المعايير: فمن ناحية أولى؛ ندب مؤيدون اليمين الديني في مصر – لا سيما جماعة الإخوان المسلمين – ما تعرضوا له من قمع والتحريض على نبذهم مجتمعيًا – من قبل الأبواق الإعلامية الموالية للسلطوية الجديدة في مصر – لأنهم هم أنفسهم الذين تعرضوا له، وليس فصيل آخر مختلف معهم أيديولوجيًا، فسيطرة الرئيس التركي على المجتمع السياسي بالنسبة لهم إنجاز نظرًا لموقفه – تعاطفه معهم – إزاءهم، حتى ولو كانت سيطرته جاءت على أنقاض ميكانيزمات الديمقراطية بما تتضمنه من التعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان، بل التنكيل بالقوى المعارضة في تركيا بصورة تضاهي ما تعرضوا له في مصر. ومن ناحية ثانية؛ تتطبع مؤيدون اليمين الديني بالبراجماتية السياسية التي ينكرونها دائمًا، بل يدرأون محاولات إلصاق هذه الصفة من قبل القوى المدنية، ويشيحوا وجوههم عن حقائق تاريخية تشكل حجة على نفعية فصيلهم تتمثل في تحالفهم مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للانقلاب على الرئيس الأول لجمهورية مصر العربية محمد نجيب، وقيام الرئيس الراحل محمد أنور السادات باستخدامهم كأداة للتنكيل باليسار، وتحالفهم – لاسيما بواسطة نوابهم الذين تبوأوا مقاعد الأغلبية في برلمان 2011 / 2012 مع المجلس العسكري على الثوار بعد ثورة 25يناير (كانون الثاني) 2011. ومن ناحية ثالثة؛ لم يتوان مؤيدون اليمين الديني عن توجيه الانتقادات لدستور عام 2014 بغض النظر عن فحواه؛ لأن مرجعية انتقادهم إلى استئثار القوى المدنية بوضعه بالتزامن مع التفنن في قمعهم ونفيهم من الحياة السياسية؛ فبالرغم من وجاهة وجهة النظر هذه التي جعلتني أصطف معهم في صفوف المنتقدين؛ لأن الدساتير الديمقراطية – التشريعات الأساسية – لا يمكن أن تأتي دون الإرتكاز على ركيزتين، تتمثل الركيزة الأولى في احترام المرجعية العامة للشعوب، والركيزة الثانية تتمثل في التوافق الاجتماعي بين جميع القوى السياسية، ولكن في دستور 2014 تخلفت الركيزة الثانية، بيد أن مؤيدين اليمين الديني غضوا الطرف عن الظروف والملابسات التي أحاطت بدستور 2012 الذي تم إرساء قواعده، وهم في سدة الحكم، فلم يرف للرئيس المعزول محمد مرسي جفن إزاء الأعتراضات التي جاءت على الدستور، ولم يسع أيضًا إلى رأب الصدع – بإعتباره رئيس لكل المصريين – بين اليمين الديني والقوى المدنية، بل عندما ضاق اليمين الديني – بإعتباره الفصيل الحاكم آنذاك – بالمعترضين ذرعًا؛ لم يتوان عن ترويعهم وتشويهم والتنكيل بهم.

محمد عيسى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك