باتوا مكيافيليين من حيث لا يدرون!

386
إبان دخولي المرحلة الثانوية تبلورت اهتماماتي التي كانت منصبة على متابعة الأحداث السياسية لا سيما حالة الكر والفر بين الثوار والمجلس العسكري آنذاك، ولكني لم أستطع متابعة هذه الأحداث عن كثب نظرًا لإقامتي في إحدى القرى الريفية في دلتا مصر، وكان من الطبيعي أن الفورة الديمقراطية في مصر – ثورة 25 يناير- تسترعي انتباه جميع فئات المجتمع. وحدث هذا بالفعل، ولكني لست منهم؛ بل أعتبر نفسي من الجيل الحر- المدافع عن مبادئ العدالة وحقوق الإنسان- الذي بزغ من كنف ثورة 25 يناير 2011م بل ومدين بالفضل لكل من شارك في هذه الثورة، ولكل من ضحى من أجلها، وكان ثمن تضحيته إزهاق روحه أو سلب حريته أو منعه من السفر أو تأليب الرأي العام ضده من قبل الأبواق الإعلامية التي تدار من قبل الأجهزة الأمنية؛ لذا لم يكترث جيلي – زملاء الدراسة- بهذه الأحداث مثلما اكترثت. فكان اهتمامي – المبالغ فيه – دائمًا بالنسبة للمحيط الذي أحيا فيه – الأسرة والزملاء والمدرسين – محل للسخرية، أما الأسواط الكلامية التي كانت تلاحقني أينما ذهبت، فعبارة – أنت عايش في الدور- باتت عبارة مألوفة على أذني، فثورة 25 يناير2011م لم تجعلني أهتم بشئ غريب عليّ، ولكنها عضدت أهتماماتي التى كادت أن تذهب في طي نمطية المجتمع وانزوائه، فتنفيس ما بداخلي كان دائمًا مع من يكترثون بهذه الأوضاع إما لأنضوائهم تحت مظلة أيديولوجية اليمين الديني أو شباب يكبرونني ببضع سنوات تتفاوت معرفتهم من شخص لآخر، وكذلك اهتمامهم بالشأن العام من شخص لآخر. فكنت أتوق إلى مباشرة عمل سياسي تحت ريادة حزب سياسي، وهذا ما تحقق بالفعل بعد ما تم انضمامي إلى حزب الدستور ولا أعلم حتى الآن، هل كان انضمامي عن اقتناع، أم استقطاب لصبي يبلغ من العمر 16 سنة، ومع ذلك؛ فالثورة في داخلي تأججت مع سيطرة أحد فصائل اليمين الديني على السلطة، فلم أكف عن الحديث في الأوضاع السياسية مع الزملاء – القليلين – المهتمين بهذه الأحداث، وكان دفاعي الاعتباطي عن وجهة نظري كان في منتهى الشراسة، حتى اهتبل الكرسي من الرئيس المعزول ، وحدث ما حدث. ووضعنا أمام خيارين في الانتخابات الرئاسية عام 2014م، فكنت مع الفريق الخاسر – مساندة الأستاذ حمدين صباحي- على حساب فريق المرشح الآخر، وبمشاركتي في سلسلة بشرية آنذاك مع الحزب – بصفتي رئيس لجنة دستوري من صغري في أمانة الدائرة وكنت أنا عضو اللجنة الوحيد- للترويج للمرشح الرئاسي الأستاذ حمدين إبان الانتخابات الرئاسية، تفاجأت بتواجد زميل لي من زملاء الطفولة يجذب اللافتة التي عليها صورة المرشح المؤيد له مني ويطالبني بتصويره وهو حامل للافتة لكي ينشرها على صفحته على (الفيسبوك). أتذكر تعليقه على صورته (من قلب الحدث في حملة دعم المرشح الرئاسي حمدين صباحي) وينبغي أن أشير إلى أن هذا الزميل كانت لا توجد بينه وبين السياسة صلة آنذاك، وبالتزامن مع تواجد هذا الزميل تعرفت إلى شخص آخر كان يترأس اتحاد طلاب المدرسة الثانوية الصناعية، وجدته مقتحمًا السلسة البشرية وحامل هو الآخر لافتة الأستاذ حمدين. تدور وتمر الانتخابات بفوز المرشح الرئاسي المنافس للمرشح الذي كنا ندعمه، وتفرق جمعنا –بعد غلق المجال العام بصورة تدريجية- وانصرف كل فرد من أعضاء الحزب لحياته الخاصة، وتقريبًا انقطع التواصل بيني وبينهم منذ سنوات، ولكن الشخصين اللذين اقتحما السلسلة البشرية تحولت أحوالهم لمواكبة الأوضاع الراهنة، فهنا زميل الطفولة يترأس إحدى الاتحادات الطلابية ويلهث وراء الندوات التي تواجد فيها مسؤولون في الدولة وذوي النفوذ، بل الأكثر من ذلك عندما تقابلت معه آخر مرة على سبيل الصدفة تحدث بصورة جعلتني أقول له هل أنت بت مخبرًا؟ وحديثه كان لا يخلو من الجهل الفج الذي جعله يوصم التيار اليساري بأنه جماعة إرهابية متطرفة ويقول على الدكتورة رضوى عاشور، وهو لا يعلم عنها شيئًا من قريب أو من بعيد بأنها على حد قوله (البت بتكتب قصص وأمن الدولة ضربها) وهو لا يعرف أن الراحلة العظيمة – عليها رحمة الله – ذهبت إلى مثواها الأخير في عام 2014م. وعندما أردت تصحيح المعلومة له فرمن سماع المعلومة الصحيحة التي تقدح في جهله بقوله (عيش عيشة أهلك – خد بالك هتروح ورا الشمس) فتبلورت كارثة أكبر ناهيك عن جهله وضحالة عقليته وفشره بل يستنكف عن المعرفة أيضًا، ورغم ذلك قال لي (شوف أنت هتكون فين وأنا هكون فين)، أما الشخص الآخر فيتحين أي فرصة بها مؤتمر به مسؤولون أو تجمع خيري مدعوم من وزارة من وازرات الدولة أوحملة مرشح برلماني أورئاسي ليقتحمها ويتصدر وجهتها، نعم بدون أي استغراب هؤلاء هم الشباب الذين يتم إعدادهم ليكونوا قيادات للمستقبل ليحملوا الراية، لذا لم أجد جملة مقتضبة تندرج تحت مظلتها ما أشرت إليه من أحداث حاولت أن أختزلها بقدر الإمكان غيرالجملة التي غناها الفنان حمزة نمرة في أغنتيه تسمحي (شوفتي حتى ابن اللئيمة والله بان وبقالُه قيمة الجبان لقى فرصة يتشطّر عليّا) بل إنه كلما طرأ الشخصان على بالي، هذان الشخصان وجدت نفسي أرددها.

محمد عيسى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك