مكاتب الوكالة الدعائية بين الإله والحكام

755


 من الأسهل أن يبلغنا أحدهم ماذا يقصد الكاتب الفيلسوف مباشرة، كثيرا ما نمل من القراءة الطويلة، أو نتوه في الكتابات المعقدة، أو نفضل أن يخبرنا أحدنا بمضمون "الليلة" بشكل ملخص. 

الأمر يشبه الحصول على درس خصوصي يشرح ويلخص لك المنهج، بل ربما يتطور الأمر إلى إعطائك "كبسولة" تحتوي على خلاصة المهم في العلم الذي يفترض بك دراسته وفهمه، فقط لتستطيع أن تجتاز الامتحان بنجاح، وبعدها تنسى العلم كله كأن لم يكن.

فهل يجوز أن تتعامل مع الدين بنفس الطريقة؟

لو افترضنا أن الدين والإيمان هو المنهج الذي نمتحن فيه في الدنيا لنجتازه بنجاح فندخل الجنة أو نرسب وندخل النار.

إن كانت تلك الصورة المبسطة الواضحة هي ما يسوقها رجال الدين، الدنيا دار الامتحان، والدين طوق النجاة، والآخرة هي نتيجتك، تلك بضاعتهم التي تلقى رواج شعبي، سواء كانوا أزهريون أم سلفيون أم كاثوليك أو أرثوذكس أم إنجيلين، أو حتى من امتصوا الصنعة من صغار الدعاة في التلفزيون والمنابر المختلفة.

فترى هل يحتاج منهج الدين إذا لدروس خصوصية وملخصات وملازم ليلة الامتحان؟

بالطبع أنا أتحدث بشكل عام عن الأديان كلها، السماوي والوضعي، ومع ذلك سأكون أكثر تحديدا واتحدث عن الأديان السماوية، واتحدث بتحديد أكثر يخصنا كمصريين بما أننا غيرنا عنواننا من "حسن ومرقص وكوهين" إلى "حسن ومرقص فقط" فأنا اتحدث عن المسيحية والإسلام تحديدا، وأتمنى أن نتفهم المقصود قبل أن نتحول إلى "حسن" فقط، -هذا إن بقي! -

رجال الدين، ما حاجتنا لهم؟، لنتخيل للحظات لو اختفوا ماذا سنخسر وكم سنكسب؟ 

حسناً، رغم أنى لا أستطيع أن أخفى أن مرور الفكرة لوحدها في خيالي رسم على وجهي ابتسامة رضا بلهاء، لكني لما فكرت بشكل أكثر منطقية، اتسعت أكثر الابتسامة! 

لكن ليست ابتسامة عن بلاهة فحسب، بالطبع سنخسر، سنخسر كثير، أغلبنا سيخسر فهمه تماما للدين بسبب ضعف مستويات التعليم في الغالب، ورعونتنا في البحث عن العلم، وسنخترع فهم خاص متعدد ومتشعب، وسينتشر الجهل والخرافات أكثر مئات المرات من اليوم.

سيصبح لدينا صراعات أكبر ولا يوجد مصدر واضح للفصل، سيتوه المنهج ويتوزع، ولن نفهمه بشكل نموذجي.

لكن كل هذا في الغالب سيكون في المرحلة الأولى، مثل أي علم إنساني آخر، سيلحقها مراحل أكثر تطوراً وأشد تماسكاً وأكثر انتاجاً لفكر راقي تنافسي.

ثم أليس يوجد كتاب محدد للإسلام، وحتى المسيحية رغم تعدد الأناجيل، لكن أليس هناك في النهاية نسخ واضحة لأتباع الكنيسة المحددة، فكيف إذا سيتوه المنهج منا بغياب "المدرسون" أو رجال الدين؟

ألا يمكن أن يجتهد كل منا بحسب طاقة علمه وعقله، ويجزى على فهمه؟ ألا يمكن تحديث نظام الامتحانات ليصبح Open book ويعتمد على فهم الممتحن للمنهج ويراعى العقليات المتنوعة للبشر بشكل أكثر استيعاب للبشرية! أليس الله خلقنا متفاوتين بنفسه وجعل هذه حكمة! 

ولو كان الله قد يقبل اختلافاتنا وفروقنا الإنسانية في الفهم ويحكم على نوايانا، ويوجد كتاب واحد محدد للمنهج، فلماذا إذا نحتاج للمدرسين وكيف سنخسر المنهج بغيابهم!! 

الجواب واضح، لأن الكتاب نفسه المقدس، حمال أوجه، واستخدم هنا تعبير السيد "على ابن ابي طالب"، وحتى لا يتوه منا الحديث ويتفرع، سأكتفي بالتحدث عن الديانة الغالبة في مصر، عن الإسلام، والأزهر والسلف، القطبان الأساسيان للتشريع الديني، ولشرح الدين لنا، أو لنتبع مثال، فهما المركزان الأكبر لتدريس المنهج وإعطاء الدروس لنا نحن الطلاب الممتحنون في الدنيا، ولكل منهم مذكرات وملخصات تعطينا ما فهموه عن النص الحمال للأوجه، لننجح وندخل الجنة فننعم بالخمر والنساء، عذرا والرجال في حالتي أظن! أم هن نساء فحسب المعروضات؟ وماذا عنا نحن النساء المستقيمات على الأقل!، ليس موضوعنا.

المهم أن هذا تقريبا ملخص ما يحدث، وملخص ما سنخسره حال اختفى الأزهر برجاله والسلف برجالهم، سنخسر "فهمهم الخاص للقرآن".

 بالطبع سنكسب مليارات الجنيهات التي يتقاضونها من دخلنا وجيوبنا، خاصة نجوم المادة الدينية الذين يعرفون الإجابات النموذجية دائما على امتحان الدنيا، ويضمنون النجاح والجنة لنا.

وسنوفر بالتالي صراعات مؤلمة تستنزف طاقاتنا وعقولنا وتخلق منافسة غريبة لعد عدد الحسنات بعد الذكر مائة لله أو الاستغفار سبعون، وحسبتها بدقة اعتمادا على شرح الأساتذة للتأكد من الحصول على درجة النجاح وتسهيل عملية الحساب في الآخرة!

بالطبع ستقل حدة التشبث الأعمى بالفهم للنص الديني، لأن في النهاية كلنا طلبة مهما علت أو دنت مستوياتنا لا يوجد أستاذ بعصا يرفع أحدنا على الآخر أو يرفعنا في الفلكة!

ستزيد اجتهاداتنا للفهم والإيمان الحقيقي، والاحتفاظ بما فهمناه مضمونا لا ظاهرياً فحسب.

إذا فإن يمكن اعتبار وجودهم حامي للسلطة الدينية البشرية القادرة على الوصول إلى مفهوم محدد واضح لأحدى أوجه القرآن وتتبع جزء معين مُختار من السنة، ودراستهم والتمكن منهم لدرجة شرح "ما فهموه هم للآخرين".

تلك السلطة التي تؤثر وتتأثر في الوقت نفسه بباقي السلطات في الدولة، فلطالما كانت مصر محكومة من قبل سلطة نظامية سواء بوليسية وعسكرية ويغلفهما دائما غلاف رقيق يشبه غشاء البكارة الخاص بهم وهو السلطة الدينية، ومن اقترب منها فقد هتك عرض الدولة كاملة.

فبشكل أكثر توسعا، نستطيع أن نؤكد أن أهم ما يمثله رجال الدين هو الحفاظ على شرف النظام الحاكم وتدعيمه.

ومع هذا أريد أن أوضح نقطة نظام هنا، هل معنى كلامي أنه لا حاجة لنا إلى رجال الدين؟ بل معناه أنه لا حاجة إلى سلطتهم. 

الدين كأي علم يحتاج لمتبحرين ومفكرين ودارسين له، يحتاج كتب ومذكرات وشرح واختلاف وائتلاف، وأظن أن تلك غاية الله من تنوع الأديان من عهد آدم وصولا لمحمد صلى الله عليهم وسلم جميعاً، يا إلا فلم لم ينزل الله نفسه قائمة بالنقاط المحرمة وعقوبتها، بشكل واضح على سيدنا آدم فعلمها وجدد العهد نفسه إبراهيم، وكرره موسى على الألواح، وأشار له المسيح على الحواريين، وورثه محمد للصحابة، وحفظه كل من بُعث رسولا من الله، برسالة واحدة محددة لا هي حمالة أوجه ولا تحتاج لشرح وتفكير، لا تفعل وافعل، فحسب!

إنما الاختلاف والغموض غرضه دفع البشرية للتفكير، وإعمال العقل، لكن يبدو أن هؤلاء "رجال الدين" أحدثوا العكس تماما، فجعلوا الناس يتكاسلون عن محاولة إعمال للعقل والاعتماد على عقول ذوي السلطة الدينية، ومن أعطاهم سلطة!؟ 

قد يكون لهم علم ومكانة وفلسفة بالطبع، لكن من قال إن ما فهموه هو الصحيح المطلق؟ وأن الوجه الذي رأوه من الدين هو بالضرورة الإجابة النموذجية. 

بل الأدهى، من قال إن من حقهم معاقبة غيرهم وفرض الدين عليهم؟ وإن كان الله أعطاهم تلك السلطة كما فهموا هم من للنص، فما ذنبنا نحن من لم نفهم هذا! وكيف يحاسبنا الله إن كنا اتبعناكم وحسب؟ أليس الله ينهينا عن أن نأتيه يوم القيامة فنتحجج بأن المدرس هو من قال لنا هذا؟ ورفض القرآن مراراً التحجج بشركاء أو غواية الآخرين، وألزم كل نفس بنفسه فقط وعقله وأعماله، فلا وسيط ولا شفيع من البشر للآخر مهما كانت الظروف؟

أليس الاتكال على سلطة رجال الدين هو بؤس وفشل في محاولة الاجتهاد للتقرب من الله؟ كأن تسأل صديقة حبيبتك عما تفضله وتكره حبيبتك، بدلا من أن تسعى بنفسك مدفوعا بشغفك لتعرفها وإن كنت تحتاج بعض الدلالات فلا بأس من مرشد، لكن مجرد مرشد، لا هو مانح مفتاح الجنة ولا ضارب مؤخرتك في النار! 

الوسيط الديني لا وجود له في الديانات الأصلية، ولا وجود للكهنوت إطلاقاً وسلطتهم لا في الإسلام ولا بالمسيحية، إنما أرتبط ظهورهم دائما بالعصور المظلمة، كعصور الظلام ومحاكم التفتيش قديماً بأوروبا وتصاعد سلطة الكنيسة لدعم الحكم. 

والله يقول "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) سورة الأنعام"، فإن كان الله يبلغ الرسول بأنه ليس بوكيل على الناس، فكيف نجعل الوكالة لرجال دين اليوم !

سلطة رجال الدين ما هي إلا سلطات اخترعتها ودعمتها الأنظمة الديكتاتورية والفاسدة لتصبح العصا والجزرة للشعوب، وتغلفها بغشاء من البكارة والطهارة تحميها فضح الكاشفون لها، فيوصم كل من حاول كشف الحقيقة بالعاهر، وينعت كل من فض بكارتها بالمغتصب الخائن.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك