صناديق الغربة

375

«رجعوا على ظهورهم محملين في صناديق الغربة». نكأت هذه النَدْبَة في جروح متقيحة لكل من سمعها تلاك على ألسنة أهالي الضحايا أثناء تشييع جثامين أبنائهم – الذين كانوا يسعون وراء لقمة العيش- في مقابر إحدى القرى الريفية في دلتا مصر. فبعد إفاقة الزُمرة الحاضرة -في مراسم الجنازة- من نشيجهم، ونحيبهم، وانتهائهم من المراسم الدينية؛ لاذ الجميع بالصمت لدفن آلامهم التي تدمي قلوبهم. وقبل العشاء؛ اصطف الأهالي في صف على سُدَّةُ الْمَسْجِدِ؛ لكي يأخذون واجب العزاء.


وعلى صعيد آخر من الحدث المحزن؛ تململ بعض من الجالسين، وأخذوا يسترقون النظر بعضهم إلى بعض، وكأن كل فرد منهم يود الإفضاء بما لديه من تساؤلات يعلم إجاباتها مسبقًا، ولكنه يخشى أن تنكسر الملامح الجامدة المرسومة على وجهه في مثل هذه الأحداث، متأسيًا بأصوله من ناحية، وحذرًا من الانزلاق في خانات التساؤلات التي في النهاية ستؤول بالعزاء إلى باحة لمناقشة قضية مجتمعية تتعلق بالهجرة، والعمل في الخارج.. وإلخ، من ناحية ثانية، فجثم جميع المتململين على صدورهم بالصبر، لحين الانتهاء من المراسم البروتوكولية، ولكن بمثابة تأديتهم واجب العزاء، وفرارهم من رسمية الرواق الذي يشهد مراسم العزاء، في لحظة كنت أترقب فيها قسمات وجوههم، دارت التساؤلات فيما بينهم كالمكوك.


وكانت التساؤلات من قبيل الآتي: «إيه اللي وداهم هناك في الظروف المنيلة ديه؟ حد برده يسيب بلده عشان يموت هناك في بلد تانية بعيد عن أهله ويجي متشال في صندوق خشب؟ دول كانوا عيال صغيرة، وكان المستقبل لسه قدامهم مين اللي ضحك عليهم ونصحهم بالسفر؟» تساؤلات اعتباطية محل هُراء كادت أن تزج بي في دوائر مساجلتهم، إلا أن تساؤل وجيه وجه من أحد السائرين في طريق العودة إلى أشغالهم درأ غيظي الذي كان سينصب عليهم – في صورة كلمات ما أنزل الله بها من سلطان- «هو إيه اللي حصل؟».


تكفل بالإجابة الشافية عن هذا السؤال صديق يكبرني بعقد من الزمن، وتجمعه بأهالي الضحايا قرابة حواشي، وسبق أن اضطرته ظروف الحياة المضنية إلى تجربة نيران الغربة في ليبيا ما بين (2010- 2014) وكانت إجابته -بعد تحويلي لها من العامية إلى الفصحى- فضفاضة شكلت ما يضاهي البناء النسقي وحدة بنائه الأسباب التي دفعتهم إلى السفر، وطريقة موتهم، ونظرة على تجربة سفره التي سبقت الثورتين المصرية والليبية بعام.


فقال بعد أن تنهد: إلى كل المتسائلين؛ ماذا تريدون؟ ألا يكفيكم إراقة دمائهم؟ ولكن احترامًا لدمائهم؛ سأقول لكم الأسباب التي دفعتهم إلى السفر، هي نفسها الأسباب التي دفعتني إلى السفر منذ سنوات مع الاختلاف في الزمن، وفي الأشخاص، ونسبية الظروف، نعم من الممكن أن ظروفي كانت أفضل منهم آنذاك، من الممكن أني آنذاك كنت أبحث عن رغد العيش، ولكنهم بحثوا عن الحد الأدنى من مقومات الحياة الآدمية، الخيارات كانت مفتوحة أمامي ما بين السفر بحثًا عن العيش الرغيد، وبين العيش المتواضع الذي لا يحقق الطمأنينة لي ولأسرتي، أما هم فأظن أنه لم يكن أمامهم خيار سوى السفر للحياة تحت مظلة حياة تحترم آدميتهم، لذلك فالقسوة عليهم، والتذرع بحفنة من الادعاءات المغلوطة لن يؤدي إلا إلى الإجحاف بهم، بل ينال من إنسانيتكم.


أضف إلى ذلك أن السفر ما قبل 2011م إلى ليبيا يختلف تمامًا عن السفر بعد ثورات الربيع العربي «الفورة الديمقراطية»، قبل، كان السفر لأجل جمع الأموال، والمضايقات التي كنا نتعرض لها محدودة للغاية من قبل الأجهزة الأمنية الليبية، ما دامنا نتجنب كل ما يمت للسياسة بصلة، أما بعد، فالسفر بالنسبة لي بمثابة انتحار، بل بدون مبالغة أنا أحتسب هؤلاء الشباب عند الله إن شاء الله من الشهداء، أليسوا هؤلاء الشباب سعوا وراء لقمة عيشهم مع علمهم أن الأوضاع هناك متوترة، ولا أبالغ إذا قلت سوداوية، وأن الجماعات الإرهابية تصول وتجول فيها، ورغم ذلك خاطروا بأرواحهم في سبيل تحقيق حياة مطمئنة لأسرهم؟


بالعودة إلى الوراء قليلًا، أود الإيماء إلى أني كنت سأقتل بعد الثورة الليبية، نعم المطعم الذي كنت أخدم فيه تعرض لسطو مسلح، وسرق، ولولا بصيص من الضمير كَمَنَ في فرد من أفراد السطو كنت قتلت على يد زميل له تأهب لإطلاق النار علي، لولا مقولة: «لا سيبه، ده غلبان، سيبه يخدم على نفسه»، نعم، أنا أتذكر المقولة حرفيًّا، لأن هذه المقولة هي التي أهدت لي فرصة ثانية للاسترسال في متاعب الحياة، ولا أريدكم أن تتذكروا أن تهديد حياتي وقف عند هذا الحد، فالعناية الإلهية أنقذت حياتي أكثر من مرة، أما عن المصريين الآخرين فهناك من انتهى أجله حتى ذلك، فلم يستطع الفرار -من هذه الوقائع- من قدره، فرجع على ظهره، ولم يجن من سفره سوى الصناديق الخشبية «صناديق الغربة»، فلِمَ التقريع؟ ألقوا اللوم على الظروف التى آلت بهم إلى جثث هامدة محملين في صناديق الغربة، ألقوا اللوم على من لم يباشر دوره في تلبية الحد الأدني من العيش في حياة آدمية لهم، هيهات أن تصلوا إلى الحقيقة دون أن تحكموا ضمائركم.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك