تحت الرماد

218

تحت الرماد ترقد قلوبنا، كرات من النار يعزي بعضها بعضًا، وفوق الرماد تحيا جوارحنا وكأن شيئًا لا يحدث هناك، البعض منا بقصد أصبح بمعزل عن قلبه، مبلغه في ذلك أنه وإن حُتم على أحدنا أن يحترق، فليحترق وحده ولتستمر الحياة، والبعض قد تبلد حتى أنه لم يعد يشعر بذاك القلب الصارخ في أحشائه، والبعض قد أبى إلا أن يحيا بكامل مداركه وحواسه أو يحترق بالكلية، ولقد كنت واحدا من هؤلاء يا "حسن"، لم تزل تصعد وتصعد حتى ارتقيت بكل ما فيك إلى ما تحت الرماد.


 أعلم أن المعنى قد يكون غير منضبط، وأنك لا تفوتك مثل هذه الهنات يا صديقي، ولكن الحق أقول أن هذا هو بيت القصيد، فهؤلاء الذين آثروا الاحتراق على أن يتركوا أفئدتهم في عزلتها تحترق قد ارتقوا دوننا، حتى وإن كان مسكنهم تحت الرماد، هؤلاء الذين يختارون البقاء إلى جوار قلوبهم وقلوب الناس وحدهم أدركوا سبيل الرقي ومبلغ الإنسانية ، فكيف حال قلوبنا تحت الرماد يا حسن؟


 كيف حالها والنار تأكلها بينما نحن نضحك فوق الرماد ولا نبالي؟ كنت قد قلت لك ذات مرة أن بعض الناس يعرف قلوبنا أكثر منا ولم تصدقني، فكم من قلوب لم تعرفها أجساد كانت تسكنها بقدر معرفتك اليوم بها؟ وكم هي ثقيلة كل الكلمات يا صديقي، حتى وإن كانت حرفا كحرف "لو"، لو كنت ارتضيت الذي ارتضيناه لما حالت بيننا وبينك الأسوار المحصنة، ولو كنا جذبناك من ساقيك النحيلتين وأبقيناك مرغما في عزلتنا لكنت ماكثا الآن بيننا، لكنه مكوث كمكوث الغرباء.

 أعلم أنك تبغض الإدعاء، ولطالما صرحت بأنك تكره حتى أن تكون بطلا أو ملهما، وأعلم بالطبع أنك ترى فيما أسميه "ارتقاء" محض صدفة، وأنك لم تسع يومًا إلى ذلك، ولكنها القلوب يا حسن، تجذبنا من طرف وبقية جوارحنا من طرف، والأقوى هو من يفرض نفسه وطنا، وقد فرض عليك قلبك المزهر بالمحبة والصدق أن تبقى في صحبته، بينما نحن، أين نحن؟ هل ترانا يا صديقي؟ هل تسمع لنا حسيسا؟ هل تصلك كلماتنا من معازل الاعتياد؟

 لا تلومن نفسك حين تجهلنا، فنحن لم نعد شيئا تدركه القلوب، نضحك علانية والحسرات توجعنا، نعمل دون كلل واليأس يطاردنا، حتى إذا جن الليل تنام أجسادنا وتبقى أرواحنا مؤرقة تنادي هذا الذي تركناه تحت الرماد يحترق، ونراكم الخيبات فلا نحصي لها عددا، تهوي بنا جوارحنا في متلازمات الواقع والمفروض والمتاح بلا شعور، كقطعان ماشية يزج بها لصوص غرباء في وديان قاحلة لمجرد الهروب!

 جميعنا يحترق يا حسن، أنت بجوار قلبك، ونحن في عزلتنا، فعزاؤك أنك لم تزل حيا، بينما نحن في ودياننا موتى، فلا تنسى قلوبنا يا حسن، لا تقطع زيارتها يوما، وخذ معك كل الذين نعرفهم أو لا نعرفهم من رفاقك الأحياء واذكرونا عند القلوب، فلم يعد يدل علينا سواها.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك