الدستورية العليا تنتصر للمساواة في منح الجنسية لأبناء الأجنبية

410


نظرت المحكمة الدستورية العليا في الطعن على المادة السادسة من قانون رقم 26  لسنة 1977 التي تنظم منح الجنسية المصرية لأبناء الأجنبي الذي اكتسب الجنسية المصرية، حيث تحرم هذه المادة أبناء الأم الأجنبية الحاصلة على الجنسية المصرية من الحصول على جنسيتها المصرية بالتبعية.


وتعود الواقعة إلى قيام المصري محمد وليد صبحي أبو شامي برفع الدعوى رقم 131 لسنة 39 قضائية دستورية، بناء على حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى 41394 لسنة 68 ق، والذي أثار شبهة عدم الدستورية في المادة السادسة من قانون الجنسية.


وذكرت محكمة القضاء الإداري أن هذه المادة تنطوى على شبهة عدم دستورية، لإخلالها بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة المكفول دستوريًا، فأقرت حق الأبناء القصر للأجنبي المكتسب الجنسية المصرية في التمتع بجنسية والدهم المصرية، دون أن تقر ذلك الحق للأبناء القُصر للمرأة الأجنبية المكتسبة للجنسية المصرية، رغم تماثل المركز القانوني بين الأب الأجنبي والأم الأجنبية لدى اكتسابهما الجنسية بأية طريقة.


وقالت المحكمة، إنها قررت إحالة نص المادة المشار إليها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في مدى دستورية عدم نصها على أحقية الأبناء القُصر للمرأة الأجنبية المكتسبة للجنسية المصرية في التمتع بجنسيتها تبعًا لوالدتهم.


وذكر المدعي، أنه وإخوته أبناء لأم حصلت على الجنسية المصرية لزواجها من مصري، وعندما تقدموا بطلب للحصول على الجنسية المصرية تبعًا لجنسية والدتهم، رفضت مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية بوزارة الداخلية، منحهم إياها استناداً إلى تلك المادة.


ومن ثم قضت المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار الدكتور حنفي علي جبالي، يوم السبت الماضي، بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة (6) من القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية.


وقالت المحكمة إن المشرع رتب على اكتساب الأب الأجنبي الجنسية المصرية، اكتساب أولاده القصر هذه الجنسية عند اكتسابه لها، كأثر تبعي يترتب في حقهــــم - على ما أوضحت المذكــــــــرة الإيضاحية للقانــــون رقــــم 26 لسنة 1975 المشار إليه وتقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عنه - بقوة القانون، وبشرط ألا تكون إقامتهم العادية فى الخارج.


وبقيت لهم جنسية أبيهم الأصلية طبقًا لقانونها، إلا أنه حرصًا من المشرع على كفالة حق القصر في الاختيار بين جنسية أبيهم الأصلية والجنسية المصرية، منحهم المشرع الحق في أن يختاروا خــــلال سنة من تاريــــخ بلــــوغ سن الرشد جنسية أبيهم الأصلية، ولكنه لم يجعل ذلك وحده سببًا لزوال الجنسية المصرية عنهم، إذ قد يقرروا خلال المدة المحددة اختيار جنسية أبيهم الأصلية، ولكنهم لا يستردوها طبقًا لقانونها، فيصبحوا عديمي الجنسية، ولهذا ربط المشـــرع صراحة زوال الجنسية المصرية عنهم لا بتقرير اختيارهم جنسية أبيهم، وإنما باستردادهم فعلاً لهذه الجنسية طبقًا لقانونها.


وأضافت المحكمة أن الدستور قد حرص في المادة (4) منه على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره من الركائز الأساسية التي يقوم عليها بناء المجتمع، والحفاظ على وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز التزامًا دستوريًا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا. 

وقوام هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن الفرص التى كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتدخل الدولة إيجابيًّا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها.

وحرص الدستور في العديد من مواده على التأكيد على مبدأ مساواة المرأة بالرجل، فاعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ المساواة إلى جانب مبدأي العدل وتكافؤ الفرص، أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، كما ساوى بينهما طبقًا لنص المادة (6) منه فى مجال منح الجنسية المصرية الأصلية للأبناء، فاعتبر الجنسية حقًا لمن يولد لأب مصري أو لأم مصرية، وجعل بمقتضى نص المادة (11) منه كفالة تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التزامًا دستوريًّا على عاتق الدولة، وحظر بموجب نص المادة (53) منه التمييز بينهما فى مجال حقوقهم وحرياتهم، على أساس الجنس.


وتشير المحكمة إلى أن الدستور وإن أوكل للمشرع بمقتضى نص الفقرة الثانية من المادة (6) منه تحديد شروط اكتساب الجنسية المصرية، إلا أن ممارسة المشرع لسلطته التقديرية فى هذا المجال يحدها القيد العام الذى ضمنه الدستور نص المادة (92) منه، والذى بمقتضاه لا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها، بما لازمه وجوب التزام التنظيم الذى يقره المشرع بالمبادئ الضابطة لسلطته فى هذا الشأن، والتى يُعد تحقيقها غاية كل تنظيم يسنه، وفي المقدمة منها العدل والمساواة وتكافؤ الفرص، خاصة بين المرأة والرجل فى كافة الحقوق والحريات، والقضاء على كافة أشكال التمييز بينهما، فضلاً عن الحفاظ على تماسك الأسرة المصرية واستقرارها باعتبارها أساس المجتمع، والذى جعله الدستور بمقتضى نص المادة (10) منه التزامًا على الدولة، والتي يتصادم معها جميعًا حرمان الأولاد القصر للأم الأجنبية من اكتساب الجنسية المصرية بقوة القانون، تبعًا لاكتسابها هذه الجنسية، إسوة بالأب الأجنبي الذي قرر المشرع بالنص المحال حق أولاده القصر في ذلك، وليضحي النص المطعون فيه وقد قصر هذا الحق على الأولاد القصر للأب الأجنبي دون الأم الأجنبية، متضمنًا تمييزًا تحكميًا لا يستند إلى أسس موضوعية، ذلك أنه باعتباره الوسيلة التى اعتمدها المشرع لتنظيم موضوع اكتساب الأولاد القصر للأجانب المتجنسين بالجنسية المصرية لهذه الجنسية، يتناقض مع الأهداف التى رصدها الدستور، وأقام عليها بناء المجتمع - كما سلف البيان - ليقع النص المطعون فيه - فى الإطار المشار إليه - مخالفًا لنصوص المواد (4، 9، 10، 11، 53) منه، فوق كونه يُعد مجاوزة من المشرع لنطاق السلطة التقديرية المقررة له بمقتضى نص المادة (92) من الدستور، فى مجال تنظيم الحقوق والحريات.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك