الشيطان الجميل

200


استوقفتني جدتي وانا أتهيأ لأول يوم جامعة احتضنتني وضغطت على أذني وقالت لي " لا تحبي بقلبك ولكن اجعلي عقلك وحده من يملك قرار الاختيار ، ثم مسحت على رأسي وهي تدعو لي الله أن يحميني من شر شياطين الأنس واستودعتني الله " فأبتسمت لها وانا لم أدرك بعد أي حرف من تلك الكلمات وكنت اشعر انها تحبني كثيرا لدرجة أنها تراني مثل العصفور الذي تخشى اطلاق سراحه لأنه حتما سيعود قتيلا من وحش قرر أن يُشغل وقت فراغه بأطلاق بعض الطلقات صوب تلك الكائنات الضعيفة والرقيقة للمتعة ليس آكثر ولكننا في النهاية لسنا عصافير ولا يوجد في الأنس شياطين، فكم كنت ساذجه حينها.

انطلقت كالعصفور لأكثر من خمسة عشر عاما تحاول ان تصيبني طلقات البشر لتسقطني ولكنها دائما ما كانت تخيب ولم يصبني منها سوى بعض الكدمات آثر محاولاتي لتفادي تلك الطلقات وسرعان ماكانت تطيب وتلتئم واعود للتحليق مجددا وكأن معاندة الرياح تزيدني قوة وصلابة شجرة عتيقة عمرها ألف عام ، فكل من مر على من بشر لم يكونوا شياطين و كل ماواجهت من ازمات ومصاعب في حياتي لم تكن اكثر من رصاصات مغرورة طائشة وبعض من الحصى يلقيه طفل عابث لم تُصبني ولم يخيفني اياً منها فتستوقفني ،لقد تغلبت عليها جميعا فالبعض تفاديته والبعض واجهته وخرجت بقليل من الندبات وكثير من الحكمه والدروس، تغلبت عليها جميعا بإصراري وصلابتي و دعوة جدتي التي كانت كالحجاب الحارس، حتى أتممت عامي الثلاثون، حينها كنت ايقنت ان لا صحة لوجود شياطين الانس كما اخبرتني جدتي، قد يؤذينا غيرنا كما نؤذي انفسنا دون قصد او حتى عن قصد ولكننا في النهاية مجرد بشر لسنا ملائكة كمان اننا لسنا شياطين ولكني كنت مخطئة فقد بعثت لي الحياة بشيطان الانس لتختم لي بتلك التجربة منتصف عمري وتؤهلني لمنتصفي الثاني والاخير بقلب وعقل امرأة ليست الطفلة ذاتها التي واجهت ثلاثون عاما من التجارب القاسيه والجميلة تقفز من تجربة لأخرى كأنها تقفز فوق مربعات لعبة السيجه وعندما تتعرقل وتخسر تحزن ملامحها قليلا ثم سرعان ما تستعيد نشاطها وتبدأ من جديد بحرص اشد وحماس أكبر وشعور بالثقة أنها حفظت الخطوات جيدا وحتما ستتجنب الوقوع في نفس المربع الخاطيء.. فآتاها ذلك الشيطان الجميل يرتدي عباءة تبهر الجميع من حوله فسحرها، عباءة الاخلاق والرجولة والمباديء والاصول والشهامه ، آتاها هذا الشيطان وتسلل إلى روحها المنهكه كالسرطان الخبيث الذي يتسلل في الدم بكل خفه و خسه ودون آي آلم ، آخبرنا شيخ عظيم ذات يوم ان الشيطان يأتي دائما للأنسان الاكثر ايمانا ليشعر بأنتصار أعظم عندما يتغلب عليه ويهزمه ولكن شيطاني كان اكثر خسه و انحطاط فقد اختار فريسة منهكة كالضبع في دناءته تماما، اختار تلك الطفلة لحظة تعرقلها وقبل ان تستعيد طاقتها وروحها لتبدأ من جديد كعادتها فأنقض عليها بصورته الجميلة، سارت خلفه كالمعصومة العينين ف الله في السماء وهو في الارض لا حافظ لها غيره بعد الله ولكن تأتي الرياح دائما بأفضل مما تشتهي السفن ولو كانت تظن السفن بأن الريح آتت بأسواء مما اشتهت ، لا أعلم هل دعوة جدتي كانت هي تلك الريح التي ابعدتني عن تلك العاصفه التي كانت ستؤدي بسقوطي حتما في ذلك البحر المخيف ام قلبي البريء الذي لم تلوثه طلقات البشر الطائشة هو من جعل الله يحفظني من ذلك الشيطان ، فسرعان ما انتهت مهمته عندما رأي فريسة أثمن له بكثير..

وفي وقت انسحاب ذلك السرطان الخبيث من جسدي لم يكن يدري بأن مناعتي لم تتوقف بعد وان جسدي مازال يقاوم الانهيار مازال يقاوم تلك الفيرس الخبيث وعند هروبه أنتزعت منه مناعتي عباءته الجميلة، عباءة الفضيلة والشرف فظهر تلك الشيطان بنفس الصورة التي ترسخت في عقولنا عن شيطان الجن ذو المخالب المدببه والانياب الحادة والقرون الملتوية من شدة طولها واللسان المشقوق كلسان الآفعى، وعندما رآه الجميع دون عباءته فعل كما فعل الشيطان عندما ابتلعه الغرور وتحدى الله ومن ثم ألقى اللوم على من يغويه فيتبعه، والان عليك ان تُكمل مسيرتك كالشيطان حينما طُرد من السماء للأرض فمجبر انت ان تذهب لبقعة آخرى فجميعهم هنا نبذوك ولن تغريهم كلماتك المعسولة ولا افلامك المحبوكة مرة أخرى فرائحة الكذب والنفاق اصبحت تفوح منك وتسبق خطوات اقدامك بأمتار وآمتار ، فأذهب بعيدا قد تجد هناك من ينخدع في عباءتك الجميلة، فجميعنا هنا آمنا بمقولة جدتي ان هناك شيطان أنس بل أنه اشد خطرا من شيطان الجن فأصبحنا نستعيذ الله من ان تجمعنا بك الصدفه في طريق ما او تجمعنا بمن يشبهك ولكن هناك حكمة أخرى قالتها لي جدتي اظنها ستكون رفيقتك يوم ما وتؤمن بها مثلنا ولكن بعد فوات الآوان وهي " ستحصد ما زرعت ولو بعد مئة عام فأفعل ما شئت فكما تدين تدان ".



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك