في ذكري التفويض .. فوضت أمري إليك يا رب!

288


هناك جروح تأبي أن تندمل وتظل غائرة تدمي قلوبنا كلما تذكرناها.. تلاحقنا الذكري الأليمة وتظل تنكأ نفوسنا فلا تمنحها نعمة النسيان وتلقي بظلالها علي الحاضر فتحيله لجحيم مستمر تفشل معه كل المحاولات للحصول علي قدر من السكينة والسلام الداخلي.  


ذكري التفويض و ما تلاها من أحداث دامية هي جرح سيظل غائراً في ضمير مصر.. ذلك اليوم الملعون الذي نزل فيه قطاع عريض من المصريين مدفوعين بخوفهم الهستيري من الإخوان حاملين صور الفريق السيسي ليفوضوا قائد الجيش للقضاء علي الإرهاب. 


مازلت أذكر كلمات الفريق السيسي في الرابع والعشرين من يوليو ٢٠١٣ مخاطباً الشعب ومطالباً بمنحه التفويض والأمر لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل.. مازلت أذكر حالة الغضب التي تملكتني عندما سمعت هذه الكلمات التي رأيت فيها دعوة صريحة للتوقيع علي بياض والموافقة المسبقة علي كل ما سيحدث بعد ذلك.. لماذا يحتاج الجيش والشرطة لتفويض شعبي لممارسة دورهم الأصيل في حماية الوطن والدفاع عن المصريين؟ ومتي طالب أي من قادة الجيش السابقين المباركة الشعبية من أجل أداء مهامهم؟ لماذا تبدو الدعوة للتفويض بمثابة عقد إذعان من الشعب الذي أصبح يدين للجيش بتخليصه من حكم الإخوان؟ 


مناقشات كثيرة دارت خلال اليومين التاليين حاول البعض خلالها تجميل الدعوة لتبدو وكأنها رسالة موجهة للخارج لتؤكد علي أن ٣٠ يونيو لم يكن إنقلاباً عسكرياً أطاح برئيس منتخب ولكنه ثورة شعبية أيدها الجيش.. وحاولت جاهدةً إثناء من حولي عن النزول وإقناعهم بخطورة المصير المرتقب الذي كنت أري أننا ماضون إليه بخطي حثيثة ولكن باءت محاولاتي بالفشل فلا أحمد يسمع أو يعقل. 


منذ بيان الثالث من يوليو وأنا أتسائل وأسأل من حولي بلا جدوي ولا إجابات شافية عن مصير إعتصام رابعه.. وكانت الأنباء التي تلت البيان مباشرةً تفيد إستمرار حصار إعتصام الإخوان برابعه مع إمكانية خروج من يرغب من المعتصمين بعد تفتيشهم و مصادرة ما قد يحملونه من أسلحة.. وإستمر ذلك الوضع ليومين أو ثلاثة علي الأكثر تم رفع الحصار بعدها وتحول الإعتصام لبؤرة وسط الحي السكني الذي ضج قاطنيه من ممارسات المعتصمين وتزايد الشعور بالخوف من وجود مسلحين وسط الإعتصام.. وتناقلت وسائل الإعلام أخبار الإعتصام -الذي زاد عدد من إنضموا إليه بشكل مخيف- مغذيةً الشعور العام بأنه أصبح قنبلة موقوتة تهدد حياتهم.. فمن أخبار أفران الكحك في العيد الي أخبار منصة رابعه والتهديدات التي صدرت منها والجثث التي وُجدت مخبئة بجامع رابعه وآلاف الأشخاص غير المنتمين للإخوان الذين لحقوا بالإعتصام بحثاً عن وجبة ساخنة بها قطع من اللحم كانوا قد نسوا مذاقه والأطفال الذين تم إستخدامهم كدروع بشرية والملايين التي تم إنفاقها علي الإعتصام.. صار الإعتصام كابوساً يهدد حياة من حوله ومن به وصار الفض ضرورياً بل مطلباً تعالت الأصوات مناديةً بوجوبه.. 


لماذا لم يستمر حصار رابعه؟ مَن المسئول عن رفع الحصار والسماح بكل تلك التجاوزات التي أوصلتنا لنقطة اللاعودة؟ لماذا لم تُطبق أساليب فض الإعتصامات السلمية التي تعرفها الدول وتستخدمها دون اللجوء لكل هذا العنف؟ لماذا كان يجب أن يكبر الخوف فيسيطر علي النفوس لتصبح الدماء التي سالت علي أرض رابعه مستباحة إلي هذا الحد؟ لماذا وصل المجتمع إلي حالة الإستقطاب الحادة تلك التي لا تقبل بالآخر بل تبارك حل دمه؟ لماذا أوصلتنا بؤرة إعتصام رابعه -الذي رأي المشاركون فيه أنهم يستخدمون حقهم في الدفاع عن شرعية حكمهم إختلفنا أم إتفقنا معهم- الي بؤرة من الدم والكراهية والعنف المتبادل لا يعلم مداها الا الله؟ ولماذا بعد كل ذلك نتوهم أن الأرض التي رويت بالدماء يمكن أن تطرح أي شيئ سوي مزيد من الدماء؟ 

ستظل لعنة الدم تطاردنا وسيظل عار التفويض خطيئة يجب علي كل من شارك فيه أن يتطهر من ذنبه لعله يبلغ توبةً من القلب يكون فيها الخلاص والرحمة ولعل صاحب الأمر يرفع مقته وغضبه عنا

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك