حلم الثورة مازال يراودني

1125



في بداية ثورة يناير المجيدة كان عمري آنذاك  16 عامًا، في تلك الفترة لم يكن لدي أي توجه سياسي، لإن السياسة في تلك الفترة كانت أمرًا محظور ممارسته –حسب ما قيل لي وقتها-، ففي بعض الأوقات عندما كنت أمَر أمام جامعة القاهرة فأجد بعضًا من عساكر الأمن المركزي بزيهم الأسود وعصاهم الغليظة ووجههم الذي يشع غضبًا، وعندما كنت اسأل عنهم كان يُقال لي بأن هؤلاء يقفون هنا للسيطرة على الفوضى التي يريد البعض من طلاب الجامعة إفتعالها، وكنت أصدق ذلك حينها ففي ذلك الوقت لم أجد مصدرًا أخر للمعلومات إلا مِن مَن يكبُرني سنًا وكنت حقًا لا إبالي في البحث عن الحقيقة آنذاك، فلم أكن أنشغل سوى بدراستي وأن أسعى لكي أحصل على وظيفة مرموقة وكثيرًا ما كنت أسرح بخيالي بعيدًا بأن اسافر لزيارة بعض البلدان العربية.

يوم الثورة

في يوم الخامس والعشرون من يناير كنت ذاهبًا إلى درسًا للغة العربية، 

وخلال سيري في الطريق، كنت أشعر بأن هناك شيئًا على غير العادة، فهناك تجمعات على المقاهي ظننتها في الوهلة الأولى أنها إحدى مباريات كرة القدم، فهي عادتًا ما تجمع المصريين ويتفاعلون معها بتلك الطريقة، ولكنني شاهد اشخاصًا يحللون شيئًا ما وفهي حتمًا ليست مباراة كرة قدم.


بعدما أنتهيت من الدرس عدت إلى المنزل مباشرةً، فوجدت شاشة قناة «الجزيرة» تعرض بعض الأشتباكات ووجدت جنود الأمن المركزي يحاصرون بعضًا من المتظاهرين، فسالت بعفوية: هل إستطاع اولائك الطلبة إفتعال الفوضى مجددًا _حيث أنني قد تذكرت المشهد الذي شاهدته أمام جامعة القاهرة-، ولكن كانت الإجابة هذه المرة مختلفة وصادمة بالنسبة لي حيث قيل لي أن هؤلاء لا يريدون أن يحدثو فوضى وأنهم سلميين تمامًا، هم يريدون فقط الحصول على بعض حقوقهم التي سلبت منهم لعقودًا طويلة، فرددت بدهشة: لماذا أخبرتوني عندما قمت بالسؤال عن الجنود الذين قد شاهدتهم من قبل بأنهم يقومون بحفظ النظام وأن هؤلاء لا يريدون سوى الفوضى، فوجئت حينها بالإجابة والتي كانت: "إننا نخاف عليك " فلم أفهم حينها معنى ذلك ولكنني فهمته جيدًا بعدها.

قرار المشاركة في الثورة

كان الهم الأكبر لأسرتي حينها هو منعي من المشاركة في الثورة، ليس لأنهم ضدها بل لخوفهم علي فقط، ولكن بعد أن عرفت أن هؤولاء ليسو مخربين وأنهم أصحاب حق قررت أن أشارك في الثورة، بالطبع لم أخبر أسرتي حينها بذلك، ولكنني كنت أهرب من دروسي اليومية وأنزل إلى الميدان ولو ساعات قليلة، وعلى الرغم من انني لم أشارك طيلة تلك الأيام ولكنني شعرت في ذلك الوقت بإحساس جميل جدًا، حيث وجدت بعض المشاركين في الثورة يقولون اشياءً لم أتخيل أنني ساسمعها قط، فوجدتهم يهتفون ضد رئيس الجمهورية يهتفون ضد مبارك – كنت أعتقد انه شئ لا يجوز المساس به_ يهتفون ضد الحكومة ورؤوس النظام، الذين كثيرًا ما شاهدتهم في الجرائد التي كنت أحضرها لا يوجد شيئًا يخافون منه قد قامو بكسر المعتقدات التي نشأت عليه "خليك جنب الحيط" "إحنا مش بتوع مشاكل" " من خاف سلم"، أحسست حينها بإحساس غريب علي ولكنه جميل أيضًا، عرفت فيما بعد أنه يسمى بالحرية، «حرية التعبير» وحرية الفكر عرفت أنه ليس من المحظورات وأنه ليس بالشئ البشع كما كنت اعتقد أو كما تربيت على ذلك،وأعتقد أنه أغلى شئ إكتسبته من الثورة ولم أفقده حتى الأن.

الثورة المضادة

بعد مشاركتي خلسة في الثورة ولم يعلم أحد من اسرتي، في يوم 28 من يناير شاهدت اشتباكات عنيفة على قناة الجزيرة، بين قوات الأمن والمتظاهرين السلميين، وبينما أتنقل بين القنوات وكل من في البيت يتابعون الأحداث بترقب وجدة القناة الأولى المصرية تنقل مشهدًا رومانسيًا للنيل –فما أشبه الليلة بالبارحة-  فقلت بصوت مرتفع: هؤولاء كاذبون.. فشعر من في المنزل أنني شاركت في تلك الأحداث، وقامو بتحذيري من تكرار ذلك، وحتى يقومو بامتصاص غضبي قالو: "في بلطجية وبيعدو على الناس في البيوت المفروض تنزل تقف مع الناس في الشارع عشان تحمينا"، وكنت أعلم جيدًا أنها حيلة لإبعادي من المشاركة في المظاهرات ولكنني فعلت ذلك بضعة ايام، وكان المدهش في الأمر انني قابلت بعض الأشخاص في تلك اللجان الشعبية ممن يقدسون مبارك ونظامه، ودخلت في مناقشة مع إحداهم فسألني: أيه اللي منزلك ومخليك تشارك في الثورة انت فاكر ان الناس دي عايزة مصلحة البلد الناس دي عايزة تخرب

كان ردي بطيًا فكنت لا أعرف شيئًا في السياسة حينها، ولكنني كنت أعرف أن القتل شيئًا بغيض وأن الظلم شيئًا قبيح وأن المظلوم سينتصر ولو بعد حين، هي بديهيات سمعناها في كثيرًا من القصص وتعلمناها في مدارسنا، ولكنها لا علاقة لها بالسياسة فكنت أعرف أن المشاركين في الثورة هم أصحاب الحق وأنهم يتعرضون لقمع غليظ وتتلقى صدورهم الرصاص بدون رهبة من الموت، ولكن على رغم يقيني من ذلك، لم استطع الرد على هؤولاء الذين يشككون في الثورة فسني حينها كان 16 عامًا ولا أعرف شيئًا عن السياسة بل إنني لم اكن أعرف ما الفساد الموجود في نظام مبارك حينها والذي تثور الناس ضده.


في الفترة التي كنت أتعثر فيها في الرد على هؤولاء، سعييت كثيرًا في البحث وقراءة بعض الكتب التاريخية منها والسياسية –كحال الكثير من المصريين وقتها- حتى يكون لدي رؤية وحتى لا اتعثر في الكلام أمام هؤولاء، ولكنني أدرك تمامًا الأن، أن جهلي السياسي حينها لم يكن نابعًا من صغر سني، وأنا في الرابعة عشر من عمرى الأن اجد آرائي تتوافق كثيرًا مع من يبلغون سن الأربعين فيما فوق، فعلمت أن الكبير والصغير قبل الثورة لم يكن يعرف شيئًا عن حقوق الإنسان ولا عن السياسة إلا فئة قليلة جدًا.

هل فشلت الثورة؟

كثيرًا ما فكرت في هذا السؤال، ووجدت له إجابات عديدة، منها الإجابة بنعم قد فشلت الثورة، وبررت ذلك بالأوضاع التي نعيشها في وقتنا الراهن من قمع وسوء للأحوال الأقتصادية وفقدان أدنى الحقوق التي أقرها الدستور ومواثيق حقوق الإنسان العالمية، ويمكنني ان أقول أيضًا أن الثورة لم تفشل مطلقًا، وسأبرر ذلك بأن هناك العديد من الثورات قد أستغرقت أعوامًا لكي تنجح وتحقق مطالبها، هل تتذكر يومي (17-18) يناير «مظاهرات الخبز» والتي أطلق عليها السادات ونظامه «مظاهرات الحرامية» وما حدث بعدها، هل تتذكر صبيحة يوم الثامن والعشرون من يناير وكيف كانت تحرم المنابر الخروج عن الحاكم وعلى الرغم من ذلك قامت أعظم ثورة في التاريخ الحديث، مشهد أخر: كان هناك عدد لا يتجاوز المائتين متظاهرًا، محاطين بحشود كبيرة من الأمن المركزي في وقفات عدة سلمية أمام نقابة الصحفيين، ويهتفون ضد الحكومة، لو قلت لك حينها أن هؤولاء سيشعلون ثورة تقضي على النظام بأكمله في عدة أيام –ثورة يناير-، كنت ستظنني حينها مريضًا نفسيًا أليس كذلك، وبعيدًا عن السؤال –هل نجحت الثورة أم لا-، فأنني أُكن لهذا الجيل كل المحبة والشكر فقد أستطعت أنا والكثير من جيلي لأول مرة  أن اشعر بالحرية بمعناها ومضمونها وهم كانو سببًا في ذلك، والذين أصبحت حياتهم بخطر الأن بسبب مشاركتهم في الثورة فبعضهم في السجون وبعضهم خارج البلاد والباقي منهم ينتظر،ولكن القادم محجوزًا لنا ولأفكارنا مازلنا قادرين على التغيير ولم نهزم بعد.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك