عزيزي المواطن.. عزيزتي المواطنة: احنا رايحين في داهية

608


مصطلح " نظام سلطوي" يدل على حالة يكون فيها صاحب السلطة واحد وهو الفرد الديكتاتور، أو مجلس عسكري أو مجموعة نخبوية صغيرة تحتكر السلطة السياسية، النظام الشمولي من جهة أخرى، يحاول السيطرةعلى كل جوانب الحياة الاجتماعية تقريبا بما في ذلك الاقتصاد والتعليم والفن والعلوموالحياة الخاصة واخلاق المواطنين.

وأظن أن أهم ما يذكر للسيسي منذ  توليه السلطة وحتى لحظة مناقشة التعديلات، أنه قضى تماماً على التعددية، وتحولت كافة المناصب إلى سكرتارية معينة له، ربما فقط سلطتين كانتا لا زالتا خارج قبضة يده، وهما القضاء والإعلام، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في معركة تيران وصنافير وحكم مجلس الدولة التاريخي الذي التف حوله ليوقفه، أما الإعلام فقد تمكن منه عن طريق مجلس الإعلام الذي وضعه ليحجم نقابة الصحفيين، ومع إتباع سياسة حجب المواقع، واعتقال الصحفيين والمدونين، فنستطيع أن نقول أنه قضى على مهنة الإعلام، ربما إلا مواقع التواصل الاجتماعية، وقلة من الأصوات الحرة التي لازالت تحاول رغم الحجب والتنكيل.

وعليه فإنه بالرغم من بروز التمديد على وجه التعديلات، إلا أنه ليس الاقتراح الأخطر، فالتعديلات تمكن السيسي بشكل نهائي ومشرعن بدستور مكتوب بفكره وعقله وحده من كافة السلطات، وعلى رأسها القضائية، كما أنه يبيح محاكمة أي مواطن أمام القضاء العسكري بعد إلغاء لفظة مباشر من نص المادة رقم 204 كما وضحنا.

مما يعني أنه هذا التعديل يغير شكل الحكم في مصر، ونظام الدولة إلى النظام الشمولي "الفرد الديكتاتور" بشكل رسمي، بالطبع لا أحد ينكر أن الدولة المصرية لم تتمتع بفترات حكم ديمقراطية مطلقاً لكن كان هناك بعض المتنفس، خاصة بعد ثورة يناير، إلا أنه لم يسبق أن وضع الدستور كافة السلطات في يد رئيس واحد، مما يعني شرعنة الديكتاتورية، هذا بالإضافة لتوسيع مرعب في سلطات الجيش في الحكم، وتعميم المحاكمات العسكرية لتطيل من كل مصري، أي أننا يمكننا وصف ما يحث في مصر بعد التعديلات على أنه إعلان "مملكة ديكتاتورية عسكرية" بدون أي تأييد شعبي وغير مرغوب فيها، وهو ما تظهره أي استطلاعات رأي محايدة، أو ما ظهر جليا على آية حال في مهزلة الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

من تلك المقدمة يمكننا قراءة المستقبل في الدولة المصرية بشكل منطقي والوصول لعدة نتائج في النقاط التالية:

من الناحية السياسية:بالطبع نتوقع زيادة في عدد المعتقلين السياسيين، وكبت كامل للإعلام، ومن الطبيعي أن نظام الحكم الشمولي يقضي على المنافذ السلمية للتعبير عن الرأي، مما يغذي منابع العنف المعارض بأنواعه، وفشل التكوينات السياسية بشكل متزن وسلمي سيقلل من حالة الاستقرار، وسنستمر نرى بأشكال متفرقة "انفجارات" صغيرة في هيئة مظاهرات أو إضرابات فئوية، أو بشكل عنيف متصاعد، مما يؤدي بالطبع لآثره في الاقتصاد.

من الناحية الاقتصادية: بالطبع من أبجديات البناء الاقتصادي هو الاستقرار السياسي، ومن المؤكد أن الوضع السياسي لن يستقر بدون التعددية، وع اختلاط السلطات وتمركزها في يد حاكم واحد يبدو أن خطته الاقتصادية كاملة تتكل على الديون بدون أوه صرف بميزانية موضوعة بشكل علمي وخبير لرد تلك الديون، مما يؤكد أن الفروق الطبقية ستزداد في الفترة القادمة، حتى أن الانتعاش المؤقت الذي حدث في سوق العقارات وما يقترن به بسبب المدن الجديدة التي قام بتشييدها، سوف يتحمل المواطن عبء تسديد ديونها ثقيلاً، بالإضافة إلى توقف هذا الانتعاش مع الوقت، وقد ظهر عدد كبير من التقرير لمحللين اقتصاديون وأساتذة اقتصاد، على رأسهم د. رائد سلامة الذي أصدر كتاباً بعنوان صندوق النقد رؤية سياسية لمسألة اقتصادية، بالإضافة لعدد من المقالات والأبحاث، والتحليلات الأكاديمية للوضع الاقتصادي، التي آلت به في النهاية إلى السجن منذ منتصف العام الماضي تقريباً، التدهور الاقتصادي المتوقع سيبني عليه تدهور اجتماعي وآثر مخيف على سيكولوجيا الشعب والعقل الجمعي له.

من الناحية الاجتماعية: عدد من العلماء والأكاديميين الاجتماعيين، والمختصين في دراسة سلوك الشعوب في الأوضاع المشابهة، سجلوا بدقة ملاحظات على كم التغيير السلبي الذي يطرأ على تصرفات الشعوب في العصور الديكتاتورية، وللتاريخ كثير من الأدلة في هذا الشأن، لكن يمكننا باختصار أن نؤكد أن العقل الجمعي للشعوب يتجه نحو الفوضى والأفعال اللا إنسانية بشكل أكبر، وتظهر سلوكيات غريبة عن ثقافة الشعب، وتزداد معدلات الجريمة، خاصة العنيف منها، بالإضافة لجرائم العنف الأسري، وبالفعل بالمشاهدة نلاحظ بدأ تفاقم كثير من الخل الاجتماعي وظهور الطبقية بوضوح في انحلال للطبقة الوسطى، الخلل الاجتماعي يتأثر بالطبع ويؤثر في السلوك الديني، ومما لا شك فيه أن مفاهيم الجهل والظلام تجد متسع أكبر لنشر نفسها في مرتع الجهل والطبقية وتدني المستوى الثقافي، مما يزيد عدد الإرهابيين، ويؤثر في أفكار الشعب لميل نحو ضفة الدين ولو كان بشكل خاطئ، يغذي حاجتهم للشعور بالقوة والتأثير بعد غلق المنافذ الآمنة للتعبير، ومع ازدياد الفجوة المجتمعية وزيادة القهر والفقر، فيكون الإرهاب الديني مرتع آمن لحاجتهم الاجتماعية من هرم "أوسلو للحاجات الاجتماعية" من قاعدته حتى القمة، مما يؤثر بالطبع في الوضع الأمني للبلد.

من الناحية الأمنية: المواجهة الأمنية للأفكار الإرهابية لم تكن يوما الجواب، وما نفعتنا المواجهة وأحكام الإعدام والتعذيب والسجون، إلا بزيادة عدد الإرهابيين وإعطاءهم شيء من الشرعية ودعمهم في الشارع باعتبارهم "شهداء" للحق، الحقيقة أن أي نظام فاشي، أو شمولي يحتاج بشكل أساسي إلى "فزاعة" يستخدمها دوما كعصا بدون جزرة في وجه كل من سولت نفسه إلى مسائلته، وفي حالة السيسي فإن عصاه من اليوم الأول كانت "الإرهاب" وبالأرقام برغم حجم المواهة الدامية، التي عجت باختراقات لحقوق الإنسان، إلا أننا لم نرْ إلا زيادة في انتشار تلك الأفكار، وزيادة وعنف في العمليات الدامية، طالت الجميع مسلمين أو مسيحين، أو عابرين سبيل في الطرقات، بالإضافة لجنود الجيش وقواته.


مما سبق يمكننا استنتاج حجم الأفكار الظلامية وتنوعها التي ستغوص فيها البلد حال استمرار هذا النظام بالنص المقترح تعديله لمدة اثنا عشر عام إضافية!، وزيادة الإرهاب فإنا سنخسر كثير من الاستثمارات، وستصنف مصر بلا شك لمدة طويلة كبيئة غير آمنة، بالإضافة إلى تدهور أكيد في السياحة، مما يعيدنا مرة أخرى للآثار الاقتصادي وتغذيته التي تغذي باقي النقاط وهكذا دواليك.


لذلك حينما أقول إننا رايحين في داهية، فأنا لا أبالغ، ولست سوداوية، إنما واقعية، وليس ذنبي أن الواقع أسود، وسيزداد ظلمة وحلكة حال مرت تلك التعديلات اللادستورية مرار الكرام، والصمت سيزيد حجم الضرر والأذى الذي سنعانيه.



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك