فتاة "الدرة"المشوي

484

تتكأ على صندوق خشبي صغير بزي المدرسة منهمكة  في الرسم وبجانبها علبة ألوان والقليل من "أكواز الذرة" المشوية وبعض أكياس المناديل، غير عابئة بالمارين حولها هكذا رأيتها تجلس أمام أحد المولات بشارع الهرم، أقترب منها لأدقق فيما تفعله وجدتها ترسم ببراعة فستان طويل تشرد لثواني في "الفاترينا" القابعة أمامها وتنكب على كراستها، تخط بأناملها الصغيرة خطوطًا أخرى في مستقبل تحلم بالوصول له.

دقائق معدودة مكثتها مع مريم فتاة العاشرة التي أسرت روحي وجعلتني أنا الأخرى أتناسي هدفي وأشتهي الذرة المشوي أخبرتها بطلبي فأعطتني إياه واستكملت رسمتها فوجدتني أسألها عما تفعل، نظرت لي على استحياء وأخبرتني بحبها للرسم وخاصة الأزياء، طلبت منها أن تطلعني على رسوماتها فلم تتردد.

صفحات بالية تحمل صورًا بديعة وألوانًا زاهية جميعها لأزياء، فتحدثت بزهو عن رغبتها في أن تصبح مصممة أزياء كما أخبرتها معلمة الرسم، بعد انتهاء اليوم الدراسي تذهب مريم لتساعد أمها في كسب الرزق، أخذتها تلك 'الفتارين' التي تحمل أشكال وألوان من الملابس فشكلت مستقبل تحلم بالوصول إليه برغم ضيق العيش.

تعي جيدا ظروف والدتها التي تضطر للقيام بأكثر من عمل حتى توفر لها ولأختها الصغيرة حياة كريمة مستورة كغيرها من سيدات أخريات يجابهن الحياة بسواعدهن بطلات يملأن الشوارع، لم يعرف أحد عنهن، لكن الطرقات تحمل أنينهن وستشهد على كفاحهن يومًا ما، تتحدث الصغيرة بزهو عن والدتها وتخبرني برغبتها في تحقيق حلمها لتوفر لها الراحة يوما ما وتعوضها عن ما رأته في حياتها من صعاب.

حلم مشروع ارتسم في مخيلة الصغيرة التي أبهرتني بتصالحها مع نفسها والحياة، أيقنت أن العالم صغير جدا أمام قلمها الرصاص وأنه لابد وأن يستجيب القدر لها، ويفتح لتلك الموهوبة الصغيرة "طاقة القدر" لتحقق أحلامها البكر، التي لم يشبها غبار الشارع الذي تقضي يومها فيه، أي عراقيل نتحدث عنها نحن، أي يأس واكتئاب يقضي على طموحنا وأحلامنا أي مشكلات نستسلم لها ونعلن الانسحاب.

طلبت من مريم أن أصورها هي ورسوماتها، فأخبرتني أنها ستوافق على طلبي في أول عرض أزياء من تصميمها احترمت رغبتها واحتفظت بملامحها في مخيلتي وعند كل محطة مظلمة استرجع تلك المكافحة الصغيرة التي أدخلت على قلبي السكينة والرضا، بعد أكثر من عامين على لقائنا كلما ترجلت في تلك المنطقة أو حتى مررت سريعا بالسيارة أبحث عنها أو عن والدتها، أود أن أشكرها حقا على ذلك الأثر الطيب الذي تركته في نفسي، على الطاقة التي استمدتها من تلك العيون العسلية الحالمة كلما تضيق روحي أتذكرها وأبتسم.

بعد أكثر من عامين على لقائنا أكتب عنك ربما لأني بحاجة إلى استرجاع ذلك التحدي في نبره صوتك واصرارك الذي جعلني أشعر بالخزي أمام روحي الضعيفة، أنا حقا بحاجة للقائك لظلال روحك المتصالحة مع العالم أجمع ، لرسوماتك التي جعلتني على ثقة أن أرها يوما ما ونحتفل بها معًا، نحن على وعد بالتقاط صورة تجمعنا .. شكرا مريم على صنيعتك، وعلى أحلى" كوز ذرة" أكلته في حياتي.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك