اسقاط .. حول الحرية!

834

"ألمانيا يجب أن تكون قبل أنفسنا"  كانت هذه بداية الشعارات القومية الرنانة التي كان يطلقها النظام النازي والتي كانت تؤثر في الجمهير بشكل كبير ومذهل في ظل فقر تعيشه ألمانيا النازية وإستنزاف الموارد الألمانية وموارد الدول التي احتلتها ألمانيا بداية من عام 1939. هذه الشعارات القومية الرنانة التي كانت تؤثر على الجماهير بشكل كبير كانت من صنع صديقه يوزف جوبلز وزير الدعايه السياسية، الذي سخر كل وسائل الدعايه الألمانية لتصوير أدولف هتلر على أنه المنقذ وأنه الشخص الملهم الذي يجب أن نكون ورائه.

إستخدام الآلة الإعلامية للكذب والتضليل كان ذو أثر على الشعب الألماني في البداية وكان له أكبر الأثر في إلتحاق الشعب الألماني للخدمة في الجيش الألماني للمشاركة في إنتصارات الجيش النازي، ولكن سرعان ما إكتشف الشعب الألماني الكذب الذي صدرته لهم الآلة الإعلامية والدعائية الخاصة بهتلر والتي كان يشرف عليها جوبلز. 

سعى أدولف هتلر منذ البداية على السيطرة علي كل مؤسسات الدولة للإنفراد بكل ما هو متاح من موارد وساعده ذلك على إتخاذ جميع القرارات منفردا بدون الرجوع إلي أي شخص ولا أي جهة، لقد محى هوية الدولة ومؤسساتها وأنظمتها، وأسس فقط ما يساعده على الإنفراد بالحكم والسيطرة على اوروبا وأفريقيا.

الغياب الممنهج والمقصود لمؤسسات الدولة وتناقص مساحة حرية التعبير والحريات بشكل عام أدى إلي عدم قيام الدولة بواجباتها الأساسية تجاه مواطنيها وتأمين الحقوق والحريات وسيادة القانون بعدالة ومساواة، أدى إلى القمع والإنتهااك بإسم القانون، وكان هذا سبباً لإنهيار الدول في كثير من الامثلة.

ضعف الدولة يأتي من أنظمة تسيطر عليها فئة صغيرة ومجموعة من الأشخاص يرون في انفسهم ما لا يراه الجميع ويتناسون دورهم الأساسي مما يخلق نزاعاً مستتراً بينهم وبين فئات صغيرة أخرى تري في نفسها القيادة والزعامة وتريد السيطرة هي الاخرى أو المشاركة في الزعامة، وهذا يؤدي إلى تناسيهم أدوارهم الأساسية المنوط بهم تنفيذها في المجتمع، بروز التشقق والخلافات بين الفئات الصغيرة المتناحرة علي الزعامة والسلطة  وعدم سماعهم أصوات المجتمع يؤدي إلي قرارات سيئة وغير مدروسة سواء إقتصادية أو إجتماعية أو سياسية تكون سبباً  أساسيا في تصدع هذه الأنظمة وسقوطها.


أكبر خطأ تقع فيه الأنظمة الديكتاتورية قبل سقوطها هو تهميش الفئات الإجتماعية وحجب الأفكار وعزل المجموعات السياسية، هذا العزل الفكري يؤدي إلي التطرف والإرهاب الفكري وعدم الإنتماء والشعور بالإغتراب بين المجتمع والدولة،بالتأكيد إحتكار فئة صغيرة لمقاليد الأمور في الدولة وسيطرتها على الثروات والإقتصاد والأمور السياسية وعدم إعطاء الحقوق إلي الهويات الصغيرة التي هي من أساس مكونات الدولة  في ظل غياب المؤسسات وسيادة القانون تؤدي إلي العنف والإقتتال الداخلي،  والإستسلام والخضوع للقوى الدولية أو الخارجية.

تحول الأنظمة الديكتاتورية لخلق قوانين تساعدها على مصادرة الحقوق بزعم إثارة الفتن والإنتماء لجماعات محظورة وتهديد الأمن القومي وإسقاط الدولة علي حساب واجبها الأساسي المنوطة به وهو نشر العدالة وحماية الحقوق والحريات والأقليات جعل من المجتمع عرضة للتطرف والعنف وحمل السلاح ظناً منه أنه السبيل الوحيد لتحقيق أحلامه المشروعة، فالخاسر هنا هم الطرفان ولكن من المؤكد أن المنتصر في النهاية هو المجتمع.كثير من الدول تجاوزت أزماتها وأدركت أن المفر الوحيد لعدم سقوطها في نفق بدون نهاية هو إطلاق الحريات وتخفيف القيود والعمل بمبدأ سيادة القانون والإنسحاب التام من المشهد. لقد أدركنا كشعوب أن التمكين يبدأ مع الحريات والكرامة الإنسانية وصيانة الحقوق الأساسية للجميع.

"إعطوني عشر سنوات وسأغير وجه ألمانيا"  كانت مقولة شهيرة لأدولف هتلر في نهاية حكمه، ولكن لم يصدقها الشعب الألماني ولا العالم بعد الخراب والدمار الذي كان سببا فيه، جملة كانت ولا زالت علي ألسنة كل الأنظمة الديكتاتورية الذين يصدرون لشعوبهم أن وجودهم سبب لرخائهم وتقدم الدولة وتخلصهم من كل شخص يقول عكس ذلك أو يحاول الإنتقاد أو حتى التفكير.

سترسم الشعوب مسارا جديدا ودرباً مختلفا لبناء دولهم، برغم حالة الإختناق التي تعيشها هذه الشعوب إلا أنهم تشبعوا بما فيه الكفاية وتطوروا فكرياً وتنظيمياً مما جعلهم في إستحالة  للتعايش مع الإستبداد وغياب القانون وحجب الحريات الأساسية، وتعطشهم للديمقراطية وتداول السلطة وحساب المقصر أو المخطىء، مثل الدول والأنظمة التي تمر بأوقات صعبة ومختنقة كذلك الشعوب تتعرض لإنتكاسات على مر تاريخها، قد تنجح في تجاوزها وقد تحاول وتفشل، ولكن من المسلم به ولا شك فيه أنهم سينتصرون في النهاية وستنتصر الحرية.


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك