امسك حرامي .. فيلم "سوبر ماركت"

247

هل تستطيع الفلوس أن تسرق منا الحب، الموهبة، الحلم وحتى العلاقة المقدسة بين الأم وابنتها ؟

رمزي شاب في بداية عقده الثالث، يعمل كعازف للبيانو في إحدى الفنادق السياحية الفاخرة، مؤمن بالموسيقي ومدمن عليها ، يسمعها في صباحه الباكر وفى سيارته وفي ليله ، موسيقى سيمفونية أو موسيقي هادئة ، في كل وقت تصاحبه أنغام الموسيقى العالمية يتذوقها وتحتضنه بالهواء من حوله ..

متزوج من منى ، منى راقصة باليه ، أو كانت راقصة باليه ، اليوم هي عاطلة ، لكنها ترقص وتدور وتستمتع بحركات البالية منذ أن تضع قدمه على الأرض صبحا وحتى في وقت غضبها أو بمساءها في كل حياتها هي ترقص الباليه ..

بين الموسيقي والرقص تظهر يدا طبيب جراح ، ممد أمامه رجل في عده السابع ربما ، ببنج نصفي ، ومشرط جراحي يفتح جزء من بطنه في يدا الطبيب ، الدكتور عزمي ، رجل وقور ورغم عمره المتقدم إلا أنه يقف صالب طوله يعبث بالمشرط في كفوفه ويحرك يداه بشكل يظهره كأنه مايسترو يقف أمام فرقة ، كأن رمزى في خلفية المشهد على البيانو يعزف من خلفه ومنى ترقص رقص الباليه بفستان أسود في منتصف فخذيها اللذان يعلوان ويتخفضان مع الألحان في جانب المسرح الأيمن ..

لمن تذهب الإضاءة ؟ على من تُسلط الأضواء ؟ من الأهم في هذا المشهد .. العازف الشاب ؟ أم الراقصة الحسناء ! أم الطبيب المايسترو ؟

دائما يقولون أن الفنانين ذوى مزاج خاص ، أظن أن كلمة خاص كلمة مهذبة لتوصيف مزاجهم ، الفنانون يحملون مزاج شاذ في الأغلب ، شاذ عن المعروف والطبيعي ، 

إن كان هناك لحن يضرب في رؤوسهم فلابد أن يسمعوه ولو كانت الساعة السادسة صباحاً كالنداهة تناديهم ، صوت الموسيقي العالي كتدفق الهواء بين خصر وأرداف راقصة الباليه –زوجته- وهي تدور وتصنع دوائر وهمية حولها ملونة بألوان قوس قزح.

لذلك كان "رمزي" يستيقظ باكراً وهو يعيش مع زوجته في بيت أختها، ويفتح الموسيقي بصوت عالي ، السيمفونية الخامسة لبيتهوفن ، بيتهوفن الذي لحن أعظم ألحانه عندما فقد سمعه ، فلقد كانت الموسيقي تتدفق بقوة داخل عقله ويستطيع أن يسمعها ويؤمن بها ولو كانت في رأسه فقط ، كان "رمزي" مثله ، يسمعها ولكن بصوت عالي ، يستيقظ من نومه كل من حوله على صوت الكورال وهم يندمجون في حالة روحية خلف قوة ألحان "بيتهوفن" ..

"محاسن" شقيقة منى ، أي أخت زوجة "رمزي" التي يقيمان في منزلها ، تستيقظ معكرة المزاج من آثر سماعها للموسيقي ، محاسن لا تحمل أي شغف اتجاه الموسيقي ولا الرقص كأختها وزوج أختها، يعكر مزاجها صوت الموسيقي العالي في الثامنة صباحاً، ليس أول خلاف يدور بينهما بسبب نفس الموضوع ، رمزي يستمع للموسيقي بصوت عالي صباحاً بينما محاسن تغضب وتصيح ليخفض الموسيقي ..

تلك المرة زادت المشاجرة عن حدها فخرج "رمزي" من البيت ومعه شنطة هدومه وبعض أسطواناته وصورة "بيتهوفن" وجهاز التسجيل ذو السماعة الضخمة ذاهباً لبيت أمه .. "غضبان".

"رمزي" يعتبر نفسه صديق للدكتور عزمي ، الذي يأتي للبار الذي يعزف فيه "رمزي" بالفندق كل يوم يعطيه بقشيش كبير ويحييه ويبدي له احتراما وتقديراً لفنه ، أما الدكتور عزمي فهو عكس ما يبدى لرمزي ..

- معقول أنا هصاحب بتاع بيانو في بار !

هذا ملخص نظرة الطبيب الجراح عزمي لعازف البيانو الفنان المايسترو"رمزي" كما يقدمه للناس ، أما عن سر اهتمامه برمزي ورعايته له فهذا هو السر الذي سيكتشفه رمزي مع الأيام ..

في شقة أمه يقضي أيامه الأولى بصحبة جيرانه ، منطقة شعبية بسيطة، بها جارته أميرة عبدالمجيد التي تكبره ببضع أعوام وابنتها ناهد من طليقها خالد، ويعيشوا معاً في بيت أبوها "عم عبدالمجيد"، حياة بسيطة وهادئة، تعمل أميرة في "سوبر ماركت " بقسم الحلويات ، ربما قسم يناسب وجهها الحلو ، منمقة الملامح ، جميلة الوجه والروح معاً .

هي امرأة في أواخر عقدها الثالث، تحمل شغف للحياة نفسها، لكن حياة تختلف عما يحمله الطبيب عزمي، هي تحمل شغف للدفء الذي قد تحمله معاني الحياة، من عائلة وبيت وصديق، قنوعة أكثر من اللازم على حد تعبير زوجها "خالد" الذي كان قد كره الفقر وقلة الأموال وقرر أنه سيسافر ، إلى الكويت ، رفضت السفر معه ، تريد الإحتفاظ بدفء البيت والأب والبلد ، أما هو فقد سافر بالفعل ، وحيدا تاركا خلفه زوجته "أميره" وابنته " ناهد" كان عمرها ثلاث أعوام فقط لما انفصل أبويها ، 

"خالد" الأب ، الذي سافر إلى الكويت لعشر سنوات ، لم يرى ابنته خلالهما إلا ثلاث مرات ، كان غريب في حياتها ، وكانت غريبة في حياته ، عاد إلى مصر وهو يملك قرابة الأربعة مليون جنيه وعربية مرسيدس وزوجة جديدة لا تلد ..

ترك شيئا ووجد شيئا ، معادلة الحياة القاسية ، ترك الابنة ووجد المال ...

............

- أنت وماما كنتم بتحبوا بعض زمان ؟

- أهو ده عيبنا كل علاقة بين راجل وست نفتكرها حب !

كان هذا رد "رمزي" على ابنة أميرة وهو يوصلها لترى أبوها بعد فترة غياب طويلة عنه ، أميرة هي من طلبت منه أن يوصلها ، فمازالت لمعة عيون "أميرة" تدل على أن جرح هجر خالد لها الغائر مازال يؤلمها ويدمي روحها.

"رمزي" الفنان يرتبط بعلاقة مميزة بجارته "أميرة"، كلاهما يقدر شكل آخر من أشكال الحياة، صحيح أن المادة مهمة لكنها لم يهملها المعنى على حسابها أبداً !

أنهي عقده الفندق، فأصبح عاطل يسكن مع أمه في عقده الثالث، ربما الأصح أن ننعته بالفاشل، هو فشل بالفعل.

لكنه فشل في أن يبتلع قسوة التغيير الذي بُليت به مصر في السبعينات، لما سرق النقاب وجه المصريات ، وتدنى الذوق العام وانتهى الفن والفنانين ، وأمست الطبول أكثر قيمة بل لها كل القيمة من البيانو والكمان ، وهبط ليل طويل بلا قمر على رقص الباليه والفن الفرنسي بل والفن برمته ، وتحول الرقص البلدي هو الفن الوحيد الأوحد وليتهم أتقنوه ! ..

فشل لما وجد أن المفارقة بين المعنى والمادة أصبحت واضحة ويجب أن تختار بينهما، إما تختار أن تعيش للأموال، أو تختار أن تعيش شغفك وتقدر ماهية الإنسان نفسه، أو تقف كما فعل "رمزي" على مفترق الطرق بينهما وتتمعن أيهما أثمن وتفرق الغث من السمين.

دكتور عزمي ، الطبيب الجراح ، محب النساء والشهوات ، يلاحظ غياب "رمزي" عن الفندق ويترك له رسالة أنه يريد أن يلتقيه في مسألة تخص العمل !

وفي عيادته الغالية جلس رمزي في قاعة الإنتظار ، بصحبة عجوز في السبعين ينتظر دوره ليدخل للطبيب ليحدد ميعاد لعملية ثالثة !

تبدأ علاقة"رمزي" بالطبيب تتشابك ويفضح لطبيب سر إهتمامه برمزي بسهولة في مرة وهم جالسين في فيلا الطبيب ، الطبيب يريد أن يتعلم "البيانو" .. 

الطبيب الناجح الذي يجني الملايين من تجارته ومصانعه بعيداً عن مجاله الطبي لطالما حلم بأن يتعلم عزف البيانو.

فَقَدْوقته ، صحيح أنه يظن أنه قد نظم وقته جيدا بين إدارة شركاته وتجارته وعمله طبيب وملذاته، إلا أن الحقيقة أنه فقد وقته، فلم يملك الوقت ليتعلم الموسيقي كما تمنى دوماً، لم يملك الوقت ليصبح فنان.

دو ري ما فاصولا ..حروف اللغة الموسيقية المُعقدة في مواجهة مصطلحات البورصة والمستندات الملية والأسماء العالمية للشركات ، كلاهما علم ، كلاهما معقد في نظر الجاهل به، لكن أحدهما يستخف بالآخر رغم أنه يرجوه ولن يناله برجاء.

إتفق رمزي مع الطبيب أن يعلمه البيانو ، وفى المقابل قال له الطبيب ورجل الأعمال "عزمي" أنه سيعلمه كيف يكون مليونير !

أول دروس المليونير له كانت أن يؤمن بالحظ ، الحظ في أن يعرف خص غني مثلا ويلتصق به كطفيل يمتص منه حتى يصبح هو غني بنفسه ، قد يكون هذا الشخص زوجة يتخذها أو صديق !

أما ثاني درس فكان كالقشة التي قصمت ظهر بعير ، قال له أن عليه أن يتخلى عن أخلاقه لو أراد أن يصبح غني ، "رمزي" الذي كاد أن يكفر بالموسيقي لما رأى الثراء الفاحش الذي يحيا به الطبيب ورأي كم البؤس الذي دُفن فيه وفقدانه لعمله وزوجته وعدم إمتلاكه لمنزل ، عادت له صحوته لما سمع هذه الجملة وحدها ، خاف ، خاف من أن يفقد نفسه .


في البدء ظن أن الأخلاق التي سيفقدها هي جزء من كرامته حين يحمل حقيبة رجل الأعمال والطبيب "عزمي" خلفه ، أو حين يذهب له للفيلا فيعزف له قليلا مقابل دولارات يدسها له "عزمي" في جيب قميصه ، لكنه واجه نفسه بالحقيقة لما طلب منه "عزمي" إحضار "أميرة عبدالمجيد" جارته الحسناء للفيلا .

 "عزمي" الذي نفرت منه كل النساء من شيبته كما نفرت منه الموسيقي وما أستطاع أن يتعلم حرف مما قاله له "رمزي" أراد أن يجعل من رمزي "سمسار" نساء وخصوصا "أميرة" التي اشتهاها من مرة واحدة رآها فيها بصحبة رمزي .. 

ليلتها كانت "أميرة" الحسناء تحتفظ برونقها كاملا كما كانت دائما ، وكان "عزمي" يحتفظ بشهوته ثائرة دون مُحكم كما إعتاد دوماً ، حدثها عن الثراء وذكر الأموال مرات ، الأموال التي تغطى عوراته ، عورات العُجز والعَجز .

في نفس الوقت كان "خالد" الأب الثري الذي عاد بعد سنوات الغربة خالي الوفاض ممتليء الجيوب ، يحاول إستمالة قلب ابنته نحوه بالأموال ، ناهد التي وصلت لسن المراهقة وكادت الألوان الزاهية والأضواء البراقة والفساتين والفيلل والحدائق والفنادق الخمس نجوم تخطف قلبها ونظرها وتبعثها كأبيها "طموحة جدا" وتترك خلفها أمها محطمة "قنوعة جدا" .

هل يخسر "رمزي" فنه؟ وتخسر "أميرة" نفسها؟ هل تضيع الحياة في قوالبها، كحبة فراولة طازجة محفوظة في علبة من الخشب المزخرف أيام وأسابيع وشهور حتى فقدت لونها وبريقها وعطرها وصارت عفن؟!

هل يخسر رمزي وناهد وأميرة ومنى نفسهم في قوالب "عزمي" و "خالد" ؟!

تدور الأيام وتحتاج "ناهد" لعملية وتظهر مبارزة صماء بين دفتر شيكات "خالد" وحسابات "عزمي" المصرفية، يتضح فيها شغف "عزمي" الجنسي بأميرة وثراءه الفج مقابل ثراء "خالد" الذي فاز بأمواله بعقل ابنته وتركت "أميرة" وحيدة ..

"منى" زوجة "رمزي" التي حاولت من قبل إرضاءه وإرجاعه للبيت وتشاجرا مرة أخري في نفس الليلة بسبب أنها أخبرته أنها تفكر أن تعمل في فرقة رقص شعبي ، رفض وتمسك بفنها .. "فن الباليه" أما هي فكانت مغصة معدتها من الجوع وذل العيشة مع اختها أشد مرارة في حلقها من أن تبتلعه لأجل فن أمسى بالي لا باليه .

هذه المرة آتت أختها "محاسن" بنفسها لتصالح زوج أختها وتعيده إلى المنزل ، وبالطبع "رمزي" الذي كان قد خسر فيم خسر علاقته بالمليونير الذي طلب منه أن يفقد شرفه ، كان مشتاق للعودة إلى فراشه بجانب زوجته منى التي يحبها ويتفقا في شغفهما معاً ..

رجع "رمزي" لبيته ، لفراشه بجانب دفء زوجته ، تداعب بيدها البيضاء وأظافرها الطويلة المططلية بطلاء أحمر ، وتخبره بصوتها الناعم وبميوعة مصطنعة صناعة متقتنة أنها قد بدأت بالفعل العمل مع فرقة رقص شعبي ، بفندق خمس نجوم تماماً كالذي كان يعمل به ..

أتتذكر الصورة التي رسمناها لمسرح يقف عليه المايسترو الطبيب بالمشرط وخلف عازف البيانو الفنان يشدو بألحان راقية وفى جانب المسرح راقصة الباليه بفستانها الأسود تدور وتصنع حلقات من قوس قزح ؟

تغير المشهد قليلاً الآن .. أضحى رمزي مسلوب البيانو يقف صامت في جانب المسرح في الكواليس وأمامه "منى" في وسط المسرح ترقص رقص شرقي في بدلة حمراء طويلة مشقوقة عند الفخذ تضحك وتهتز كلها صامعة ذبذبات ترسل إشارات سرية تقرأها محفظة الطبيب ورجل الأعمال "عزمي" الذي يقف في صدارة المسرح ويلقي الأاموال منها دون إهتمام ولعابه يسيل على "أميرة" الحسناء التي تقف في زاوية المسرح المقابل .. 

على من تسلط الأضواء ؟ من يستحق النور ؟

"أميرة" التي هُزمت ، هزمتها ابنتها ناهد لما وجدتها تشتري الأموال وتبيعها كما فعل "خالد" طليقها من قبل ، لما توفي أبوها "عبدالمجيد" إستطاع "عزمي" أن يسرق عقلها أو لنقل جسدها وفتح لها سلسلة سوبر ماركت "الأميرة" ...

في طريق رمزي لبيته يكتشف بالصدفة أنه طول الفترة الماضية كان يحمل حقيبة مليئة بالأموال سرقها سائق موتوسيكل في أول الفيلم ولما تبعته الشرطة ألاها في سيارة "رمزي" وسرقها مرة أخرى طفل شحاذ في آخر الفيلم من سيارة رمزي وهو عائد لبيته ، كان يحمل الأموال طوال تلك الفترة ولا يشعر بها ..

كان يملك الأموال ولم يشعر بوجودها ؟ فماذا كان سيحدث لو عرف بوجودها ؟ هل كانت ستتغير قراراته ؟ هل كانت هذه هي ضربة الحظ التي كانت ستغير حياته ليصبح مليونير ويتخلى عن فنه وقتها ؟

تُري سوء حظه أم حسنه اللذان جعلاه لا يعرف بوجود تلك الحقيبة معه ؟ 

يعود "رمزي" لعمله في الفندق ، واضح أن موسم السياحة قد فل وعادوا يحتاجون لعازف بيانو يجذب الناس للبار في الفندق ، وعاد "عزمي" يرسل له بقشيشاً كبيراً لكن تلك المرة و"رمزي" يحييه بموسيقاه المفضلة ، يجد بجانبه "اميرة" في الفراء والشعر الأشقر وبدون نظارات ..

في صمت ينتهي المشهد والفيلم معاً .. رمزي و أميرة و عزمي .. لمن تذهب الأضواء ؟ من يستحق دائرة الضوء على مسرح الحياة ! .. 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك