المقاومة .. مشاركة أم مقاطعة ؟!!

568

في ظل المناخ السياسي المصري والذي يمر بفترات من الركود في الحياة السياسية ، ويعيش  حالة من هيمنة أثار الهزيمة وفقدان الأمل في التغيير من جراء تحكم القبضة الأمنية الباطشة ،بالإضافة مع اضمحلال الوضع الإقتصادي ، وتزايد الإحتقان في المجتمع يوم تلوى الآخر  ضغطاً ،و يأتي حديث الإنتخابات الرئاسية شاغلاً حيز الإهتمام المتصاعد في الوسط السياسي المعارض ، وذلك بعد إعتزام المحامي خالد علي خوض الإنتخابات ،  وبداية من جمع التوكيلات وإستيفاء شروط تقدمه.

 وبمناسبة التناحر المعتاد داخل صفوف تكتلات المعارضة المصرية بأطيافها حول موقف المعارضة السليم من السلطة الإستبدادية في المشاركة من عدمها ، وجب أن أُفرد توضيح مبدأي عن ماهية الفعل المقاوم.


وأرمي مدلول المقاومة إلى كل نهج يتأسس على رفض السلطة الإستبدادية-العقلية القديمة- جذرياً أي يهدف لإحداث تغيير في صلب البنية القاعدية لهيكل النظام السياسي والإجتماعي ، وبناءاً على المفهوم التغييري الثوري ، وجب الإنتباه لمبادئ المقاومة داخل السياق المرتبط بشروط الواقع السياسي وظروف البنية وطبيعة الوضع .


فمن بديهيات فعل المقاومة والمعارضة ،أنه فعل مترابط ومتفاعل مع وقائع الأحداث ومجرياتها ، وذلك بناءاً على فهم طبيعة الصراع والواقع السياسي بشكل موضوعي ، فالمقاومة كفعل تتخذ حركة جدلية -ديالكتيكية- مع السلطة وتبدياتها..


ومن هنا تكون مقاومة السلطة الإستبدادية غير  قابعة حكر قيد  نمط معين و او شكل متصلب ، بل على العكس فالتنوع في الأساليب والإستراتيجيات يتناسب مع طبيعة التقلبات المتغيرة في الأوضاع ومع الفترات ، فطبيعي أن  في وقت ما ، يكون المجال السياسي مغلق برمته -مربع صفر- ولا مجال إلا للصوت الواحد،فيكون مجال النقد والمقاومة مُستهِدف مكامن الضعف، وكل الخيارات المتاحة لتهيأ المناخ للأهداف التغييرية .

ولذلك طبيعي أن ندرك من تجربة ثورة يناير ،أن  أدوات الحراك الثوري-الراديكالي-اللاعنيف مثلاً ، ليست على طول الخط صالحة لأداء وظيفتها ، فذلك مخالف لإحتياج الفترة ومتجاهل للسياق الحاصل.


أما موضوع  المقاطعة للإنتخابات أو المشاركة ، فقد يقعا على نفس الدرجة من أساليب المقاومة بشرطية تحقق سمات الفعل المقاوم من قدرة تنظيمية وقيادية وإمتلاك رؤية وإستراتيجية وبديل واضح ، وخطاب يستوفي إدراك طبيعة الجماهير .

فإذا ينبغي على المحاولات المشاركة تحت بند النضال الدستوري(الواقعية السياسية) أن تمتلك رؤية وخطاب وقيادة تتناسب مع قيمة المشاركة الانتخابية ، فإن موقف المقاطعة أيضا ينبغي ألا يتخذ شكل سلبي حتى يقع تحت بند المقاومة الفاعلة ، فالضغط بالمقاطعة يتناسب مع فترات الزخم والحراك الثوري الصدامي ، ويستلزم إمتلاك استراتيجيات معينة لحركة المقاطعة المقاومة ، فإذا كانت المقاطعة موقف منزوع التأثير والهدف تماثل ذلك مع المشاركة الصورية في الإنتخابات، فإذا الحكم على المواقف يرتبط وثيقاً بالسياق وشروطه الموضوعية.


وإذا نظرنا  لموقف دخول خالد علي من خلال طبيعة السلطة الحاكمة التي تقف وراء قناع الديموقراطية والإلتزام القانوني والدستوري أمام شرعية الشعب ، نجد أن الفترة الإنتخابية الأولى للسيسي جاءت بترحيب شعبي له على نطاق واسع ، وذلك تبعاً لتقمصه دور المُخَلص من حكم الإخوان ، ومن ثم الإعلان عن محاربة الإرهاب المحتمل ، فإستمد شرعيته من إطار ملف الأمن لدى الجماهير، وبعد ما شهدناه جميعاً ، يحاول السيسي دخول الفترة الثانية بشرعية الضرورة والبناء والتنمية ووراءه أجهزة الدولة والإعلام ورجال المصالح .

 فالأثر العام بالنسبة للمقاومة هنا هو يكون في كونها قادرة على أن تتعامل مع المعادلة بشكل واقعي وبتحديد أهداف مرحلية-فإذا ما يفرضه الواقع السياسي هو استمرار السيسي عنوة وجبراً عبر القناع الإقتراعي ، ولذلك فالتعامل داخل الإطار الدستوري يكون محدد بأهداف وراء ذلك ، فوسائل إحراج النظام وكشف زيف الانتخابات امام قطاعات أكبر في ظل حالة الكبت والحنق المجتمعي ، لتجعل حالة الفترة الجديدة منزوعة الشرعية عن سابقها وإن كان شعورياً في الحس الجمعي لدى الجماهير ، وذلك ليس بالأثر السيء في حركة السجال المقاوم ، بخلاف أن المشاركة لها أهمية في كسر الخمول العام وحالة الإحباط المستشري ، وما تحدثه من ضغط يهدف لفتح المجال السياسي نسبياً ، فالتراجع السياسي مكسب مرحلي لحركات المقاومة ،والمشاركة تخلق مناخ مختلف عن زي قبل حيث أثر التجربة في المحاولة الفردية لخالد على والتي تفتح السبل لتشارك القوى الوطنية وإحداث حالة من الاهتمام والزخم .


وقد يرى البعض أن دور المشاركة أكثر مناسبة من موقف المقاطعة ، لأنه وعلى قدر ضعف التنظيمات المدنية المقاومة وتشتت الرؤية السياسية ، إلا أنها محاولة جديرة بالاهتمام على الأقل لهدف الضغط من أجل فتح المجال العام نسبياً ، مما يمكن قوى المعارضة من العمل التنظيمي .


والجدير بالتأكيد هنا أن نقد فعل  المقاطعة أو المشاركة ، والنظر بعدم جدوى تلك الأداة من داخل تحليل السياق الموضوع ، لا يتساوى بالطبع مع مهاترات المزايدات المقولبة ، طرف يتهم الاخر بعدم الثورية والأخر بعدم الواقعية، والحقيقة أن ذلك النمط المتداول يعبر بوضوح  عن عدم الإلمام بأبجديات العمل السياسي و الرؤية التغييرية.


#قاوم بكل ما تستطيع إليه سبيلاً..

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك