الطفل في مصر...نظرة من نافذة أخرى

445
فيما يضاهي التقسيم الطبقى الذي آل إليه واقعنا إلى إرث يورث من جيل إلى جيل؛ ترزح إنسانية الطفل المصري الذي يحسب على الطبقة المتربعة في أسفل المجتمع تحت وطأة الفقر والطبقية وعدم الاستقرار الأسري تارة، والاستغلال الاقتصادي والتجارة بأعضائه تارة أخرى؛ فتتشكل نفسية غير سوية لطفل كال له المجتمع – مسؤولوه وأفراده – وكزات مصبوغة بالأذى المعنوي والمادي تطبع على نفسه، فتؤول به عند بلوغه سن الشباب إلى فرد ناقم على المجتمع بأكمله، كنتيجة لقناعاته المستحقة والطبيعية بأنه كان من المجحف بهم في المجتمع، ومن أصحاب الطفولة المسلوبة، وهذه هي الحالة المعتادة التي من الطبيعي أن يصل إليها أي فرد في شبابه سلبت منه طفولته عنوة، لذلك لا تثريب عليهم. ولكن في ذات الوقت؛ بتفاقم القهر المجتمعي الذي ينوء به كاهله من الممكن أن ينجرف هذا الشاب وراء مثالب طبيعته البشرية التي تصبو ناحية انتزاع حقوقه التي يراها مستحقة من المجتمع الذي يعيش فيه، فيتحول هذا الفرد إلى مجرم في نظر المجتمع، هذا إذا لم يسوء حظ المجتمع أكثر من ذلك، ويتقولب الوضع إلى الأخطر؛ ويتم استقطاب هذا الفرد لجماعة من الجامعات الجهادية – لأنه بمثابة نموذج مثالي يسهل استقطابه – التي تلعب على وتيرة مشاعره المفعمة بالإحساس بالظلم وتبحث عن قَشّة لتتعلق بها لتنحو ناحية حياة أفضل، وللتملص من الظلم التي عاشت تحت نيره لسنوات طويلة أحيانٍ، بل تبحث عن الانتقام من المجتمع الذي وضعها في هذه الصومعة التي تفتقر سُبل الحياة الآدمية أحيانًا أخرى؛ فتتبلد هذه المشاعر؛ ويتحول أصحابها إلى إرهابيين من وجهة نظر المجتمع الذي لا يكتفي بقيام نيابته العامة بتوجيه الاتهامات في الواقع أنها حقيقية، ولكن فحواها يغيب عنه الضمير الذي يبحث دائمًا عن الظروف التى آلت بهم إلى وضعهم الشائن، وهذا من الناحية الرسمية، أما من ناحية العامة فيتم تجيش المجتمع – بأفراده وأبواقه الإعلامية ومسؤوليه – لتوجيه سيل من العبارات المقذعة التي تنال منهم ومن كرامتهم، متناسيًا أرضه الخصبة بالظلم التي خلقت منهم إرهابيين يرتكبون جرائم في حق الإنسانية، دون تحكيم الضمير الذي يضيع في طي الغضب. دون مغالاة في الرفاهية، في مساحة أخرى من المجتمع، يتمتع أطفال ينتمون إلى الطبقة المتوسطة بطفولة سوية مغمورة بالاستقرار الأسري، ووجود رقابة منزلية، والاكتراث بتعليمهم، وعدم الاستغلال الاقتصادي لهم الذي يتعارض مع شروطه الإنسانية والقانونية، والبحث عن مواطن مهارات هؤلاء الأطفال، ومراعاة مشاعرهم، وإرساء القيم والمبادئ الإنسانية في نفوسهم… إلخ، فتكون هذه المساحة مواتية لنمو نموذج سوي نفسيًا، مع زيادة احتمالية إثبات وجوده كساعد من سواعد التنمية في بلاده، وهيدر على المجتمع إن لم يكن البشرية بالجديد. هذه السطور المسطرة؛ لا تقدم أسباب إباحة للجرائم لطائفة معينة من الشباب والشابات، لمجرد وقوعهم في قبضتها الحديدية، ولا تشح وجهها عمن خرجوا من براثن هذه الظروف المضنية عظماء، وتركوا آثارهم الإيجابية في هذا العالم، ولكن المنوط من تسطير هذه السطور، من جهة أولى؛ دراسة مقارنة بعناوين عريضة – حول وضع الطفل المصري – دون التعمق في تفاصيلها، التي لا مجال هنا لتفنيدها، أو أن سردها سيصبغ المكتوب بالرتابة كمغبة طبيعية للإسهاب بالسرد، ومن جهة ثانية؛ مجابهة نظرة الازدراء الموجهة لأناس انزلقوا في خانات الإجرام، وذلك لأن قدرات التحمل التي تدرأ النفوس عن الانصياع وراء مساوئ الطبيعة البشرية ليست واحدة عند جميع الناس، والأحداث المصيرية التي تغير حياة أناس من الأسوأ إلى الأفضل لا تحدث للجميع أيضًا، والضمير الحي الذي يكون نبراس كل إنسان لانتشاله من غياهب الظلمات أشعته المنيرة تتباين بين فرد والآخر، ولو افترضنا أن إنارة هذه الأشعة عند المجتمع وصلت لذروتها، ستطرح التساؤلات نفسها؛ من هنا الذي أجرم؟ هل الشاب الذي أنطلق من منطلق وضعه المجتمع على بدايته؟ أم المجتمع التي كانت أرضه المخضبة بالقسوة صاحبة زمام المبادرة؟

محمد عيسى

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك