رشوان يصنع من "هيئة الاستعلامات" أداة قمعية جديدة تحاصر الاعلام الأجنبي

569


أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير تقريراً جديداً بعنوان" هجمة السلطات المصرية على الإعلام الأجنبي...عامان من التهديدات وحملات التشوية"، حيث رصد التقرير مجموعة من البيانات الصادرة من الهيئة العامة للإستعلامات، بالإضافة إلى عدة تصريحات لضياء رشوان رئيس الهيئة، وقد سلطت المؤسسة الضوء على تلك التصريحات في الفترة من 6 يونيو 2017  إلى 5 يونيو 2019 أي منذ تاريخ تعيين ضياء رشوان رئيسًا للهيئة ولمدة عامين.

وبدأت الورقة البحثية مقدمتها بالإشارة إلى تعمد السلطات المصرية في اﻵونة الأخيرة التضييق على وسائل الإعلام الأجنبية،وفقاً لبيانات رسمية  صادرة عن هيئة الاستعلامات تارة، ووقائع تعرض فيها صحفيون أجانب للترحيل من البلاد أو المنع من دخولها تارة أخرى.

 كما أشارت الورقة البحثية إلى إطلاق السلطات المصرية حملات تشويه مستمرة في وسائل الإعلام المحلية، بغرض إظهار وسائل الإعلام الأجنبية كجزء من مؤامرة على الأمن والاستقرار في مصر. 

وأكدت المؤسسة خلال الورقة أنه لا يمكن النظر إلى الهجمة على الإعلام الأجنبي بمعزل عن سياسة السلطات المصرية، التي تهدف من خلالها إلى تجنب الانتقادات الدولية لملف حقوق الإنسان في مصر.

وأكدت الورقة خلال رصدها لتلك الوقائع، أن  الهيئة العامة للاستعلامات التي تتبع رئاسة الجمهورية  كانت هي المحرك الرئيسي لهذه الممارسات ضد وسائل الإعلام الأجنبية. 

تم تأسيس تلك الهيئة في الستينيات في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بغية أن تكون جهازًا للعلاقات العامة للدولة. وأثار استمرار هذه الهيئة في العمل الجدل، حيث وصف هشام قاسم، وهو خبير بمجال الإعلام، الهيئة العامة للاستعلامات بأنها “جهاز سوفييتي انتهى دوره مع انتهاء الحرب الباردة”، وذلك في تصريح صحفي.

 وأردفت الورقة البحثية أن ضياء رشوان قد صاغ سياسة جديدة لهيئة الاستعلامات، لكي تتحول إلى جهة للتضييق والضغط على الإعلام الأجنبي، ويرجح بعض من أجرى معهم الباحث مقابلات أن ذلك التحول تم بالتعاون مع جهات سيادية، ترغب في وجود جهة رسمية غير أمنية في واجهة الضغط على الإعلام الأجنبي.

وبدأت الورقة البحثية مناقشة موضوعها بالعمل الصحفي والإعلامي في مصر الذي أحيط بمخاطر متعددة ما بين التوجهات التي تفرض على المؤسسات الصحفية والإعلامية من قبل مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، مرورًا بالأطر المنظِّمة للحصول على عضوية نقابة الصحفيين، وانتهاءً بالتهديدات والملاحقات الأمنية والقضائية. 

وأشارت المؤسسة إلى أن  تدخل الأجهزة الأمنية في عمل الصحفيين والإعلاميين هو التهديد الأكثر خطورة، إذ أنه وعلى مدار السنوات الست السابقة تعرض عدد كبير من الصحفيين إلى التوقيف والاحتجاز والحبس، بسبب أداء عملهم. وهناك أمثلة عديدة للتهديدات الأمنية، بينها قضية صحفيي الجزيرة وقضية المصور شوكان، إلى جانب عشرات الحالات التي تعرض فيها صحفيون ومصورون لاعتداءات، خلال تأدية عملهم، وخاصة فيما يتعلق بتغطية الفعاليات السياسية والاحتجاجات. 

كما يواجه الصحفيون الأجانب تهديدات أمنية باستمرار، تصل أحيانًا إلى الترحيل إلى بلادهم، أو المنع من دخول مصر.

ووفقاً لما جاء في الورقة البحثية أنه في هذا اﻹطار، برز دور الهيئة العامة للاستعلامات في التضييق على وسائل الإعلام الأجنبية والصحفيين الأجانب، وثمة جانب معلن من هذه الضغوط يتمثل في البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات وحملات التشويه التي قادها رئيس الهيئة ضياء رشوان ضد الإعلام الأجنبي، يتناولها التقرير لاحقًا. بينما هناك جانب آخر غير معلن يتمثل في التهديدات، التي تعرض لها الصحفيون الأجانب والمصريون العاملون في وسائل إعلام أجنبية.


وأكدت المؤسسة خلال ورقتها البحثيه أنها بدأت في مراقبة الهجمة التي تقودها الهيئة العامة للاستعلامات على الإعلام الأجنبي، منذ صدور بيان الهيئة عن حادث الواحات الإرهابي في أكتوبر 2017. 

حيث رصدت الورقة ما تعرض له أحد الصحفيين المصريين ويعمل مع وكالة أجنبية قائلاً:" سابقًا كانت جهات سيادية تتصل بمكاتب وسائل إعلام أجنبية وكذلك صحفييها وتقوم بالسؤال عن مصادر التغطيات المرتبطة بالهجمات الإرهابية وكيف حصلنا على معلومات في قضايا محددة، منها على سبيل المثال قضية أثارت تساؤلات دولية حول أداء أجهزة اﻷمن خلال العامين الماضيين”. ويضيف: "في إحدى المرات، فوجئت باتصال من مسئول في جهة سيادية يحمل بعض الأسئلة والتهديدات، وحينها حرصت على إنهاء المكالمة سريعًا".

وأكد باحث المؤسسة خلال الورقة التي أصدرت أنه وفقا لمقابلاته بعدد من الصحفيين الأجانب، فإن الهيئة العامة للاستعلامات لم تكن مصدرًا لقلق الصحفيين الأجانب سابقًا، لكنها باتت على الأرجح بديلًا للأجهزة الأمنية  بالرغم من عدم حدوث تغيرات في الصلاحيات الممنوحة للهيئة العامة للاستعلامات.

وأشارت الورقة إلى أن الهيئة العامة للاستعلامات تحركت  خلال الفترة التي يغطيها التقرير على مستويين، الأول: من خلال إصدار البيانات الرسمية حول وقائع محددة لتوجيه انتقادات إلى وسائل إعلام أجنبية، أما المستوى الثاني فكان قيادة حملات تشويه للإعلام الأجنبي في وسائل الإعلام المحلية. وتطرق التقرير إلى تناول ملامح سياسة هيئة الاستعلامات تجاه الإعلام الأجنبي، اعتمادًا على رصدٍ للبيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة، والمقابلات التي أجراها رئيس الهيئة ضياء رشوان مع وسائل إعلام محلية، إضافة إلى المقابلات التي أجراها الباحث مع صحفيين أجانب ومصريين يعملون في وسائل إعلام أجنبية.

وبحسب المقابلات التي أجراها الباحث، كانت هناك جهات أمنية تحاول ترهيب الصحفيين الأجانب وتلوح لهم بتهديدات، وهذه الممارسات لم تكن معلنة، كانت تحاط بقدر كبير من السرية ولم ترغب وسائل الإعلام الأجنبية في الإعلان عنها. وفي هذه الحالة، كان الإعلام الأجنبي يحاول تجاهل هذه التهديدات، ومن ثم المضي قدمًا في عمله، بينما لم تملك السلطات المصرية الجرأة للقول إن أجهزتها الأمنية تهدد عمل الصحفيين الأجانب في مصر. 

أما الهيئة العامة للاستعلامات فهي جهة مدنية، يتولى رئاستها صحفي وباحث معروف، ومن صلاحياتها الإدارية تنظيم عمل المراسلين الأجانب، وبالتالي يمكن أن تتحول الضغوط الممارسة ضد الإعلام الأجنبي إلى ضغوط معلنة، بل ويلزم أن ترد وتتفاعل معها وسائل الإعلام الأجنبية، ويتم معرفتها وتداولها على نطاق واسع، بما يمثل رسالة من السلطات المصرية إلى جميع وسائل الإعلام الأجنبية أنها تضع خطوطًا حمراء لتغطية الشأن المصري ولا يمكن أن تتسامح مع تجاوز هذه الخطوط الحمراء - وفقا لما جاء بالورقة البحثية.

كان المدخل المناسب للهيئة العامة للاستعلامات وبالنظر إلى إمكانيات رئيسها ضياء رشوان هو الزعم أن الهيئة تقوم بإبداء ملاحظات مهنية على أداء وسائل الإعلام الأجنبية، وتدعوها إلى تحري الدقة فيما تنشره عن مصر، وفي بعض الحالات، ذهبت الهيئة العامة للاستعلامات إلى أبعد من ذلك، من خلال ما وصفته في بياناتها: “باستدعاء مديري مكاتب” وسائل إعلام أجنبية.

وفي حالات أخرى، أرسلت الهيئة العامة للاستعلامات خطابات رسمية إلى وسائل الإعلام الأجنبية، تحمل مضمون بيانات الهيئة المنشورة بشأن تقارير بعينها، كما قام رئيس الهيئة العامة للاستعلامات أحيانًا بالاتصال بالصحفيين أنفسهم، بهدف توجيه انتقادات إلى تقاريرهم عن الشأن المصري. ويبدو أن الهيئة العامة للاستعلامات أرادت تحويل كل ما كان يتم في إطار من السرية إلى روتين معلن تقوم به جهة حكومية، تراقب التقارير المنشورة عن مصر وتقوم باستدعاء المسئولين عن نشرها، بهدف تعديل أو حذف هذه التقارير.

بدأت الهيئة العامة في ممارسة الرقابة على وسائل الإعلام الأجنبية منذ هجوم الواحات، في أكتوبر 2017. بدأت هذه الواقعة بعد انتشار أخبار تفيد بوقوع هجوم إرهابي على قوات الشرطة في طريق الواحات، مساء يوم 20 أكتوبر 2017، وأصدرت وزارة الداخلية في نفس اليوم بيانًا مقتضبًا جاء فيه أنه حدث “استشهاد وإصابة عدد من رجال الشرطة ومصرع عدد من العناصر الإرهابية خلال تبادلٍ لإطلاق النار في المنطقة المتاخمة للكيلو 135 بطريق الواحات بعمق الصحراء.


نقلت رويترز عن ثلاثة مصادر مقتل 52 من رجال الشرطة، بينما نقلت بي بي سي مقتل 53 من رجال الشرطة، وفي عصر اليوم التالي أعلنت وزارة الداخلية معلومات تفصيلية عن الهجوم، من بينها أن عدد القتلى هو 16 فردًا فقط. وأصدرت الهيئة العامة للاستعلامات بيانًا، في 21 أكتوبر 2017، أدانت فيه بشكل رئيسي تغطية بي بي سي ورويترز لهجوم الواحات، من حيث استنادها إلى مصادر أمنية غير محددة.


مَثَّل هذا البيان نقطة تحول في سياسة الهيئة العامة للاستعلامات، إذ اتجهت الهيئة إلى الضغط وترهيب وسائل الإعلام الأجنبية، بدلًا من إمدادها بالمعلومات الرسمية المتاحة. واصلت الهيئة العامة للاستعلامات ضغوطها على وسائل الإعلام الأجنبية بعد ذلك، وبدأ رئيس الهيئة ضياء رشوان في انتقاد تغطية وسائل الإعلام الأجنبية من خلال لقاءات تلفزيونية.

رصد الباحث إصدار الهيئة العامة للاستعلامات 20 بيانًا صحفيًّا خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وتناولت هذه البيانات 9 وقائع، وهي حسب التسلسل الزمني: هجوم الواحات، تسربيات القدس، انتخابات الرئاسة، العملية الشاملة سيناء 2018، تقرير زبيدة، طرد مراسلة التايمز، تقرير رويترز، استطلاع حلايب وشلاتين، حملة اطمن انت مش لوحدك، والاستفتاء على التعديلات الدستورية. وحظيت واقعة تقرير زبيدة التي ادعت تعرض ابنتها للاختفاء القسري بالجانب الأكبر من بيانات الهيئة العامة للاستعلامات بـ6 بيانات، ثم هجوم الواحات، حيث خصَّت هيئة الاستعلامات هذه الواقعة بثلاثة بيانات. وبعد ذلك، تتساوى ثلاث وقائع في عدد البيانات الصادرة في كل منها على حدة (بيانان اثنان)، وهي واقعة تسريبات القدس، واقعة استطلاع حلايب وشلاتين، وواقعة استفتاء التعديلات الدستورية. وهناك خمسة وقائع خصصت فيها الهيئة بيانًا لكل واقعة على حدة، وهي: انتخابات الرئاسة، العملية العسكرية سيناء 2018، طرد مراسلة التايمز، تقرير رويترز، وحملة اطمن انت مش لوحدك.

وكانت أكثر وسيلة إعلام تلقِّيًا لبيانات الهيئة العامة للاستعلامات هي هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي بـ10 بيانات، تليها وكالة رويترز بـ4 بيانات، ثم كلٌّ من صحيفة نيويورك تايمز وموقع روسيا اليوم ببيانين اثنين لكل منهما، بينما كانت كلٌّ من صجيفة التايمز البريطانية وصحيفة إلموندو الإسبانية الأقل في تلقي بيانات من هيئة الاستعلامات ببيان واحد لكل منهما. وتتبقى ثلاثة بيانات لم تحدد فيها هيئة الاستعلامات وسيلة الإعلام الموجه إليها البيان. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الإحصائية تشمل ثلاثة بيانات وجهتها هيئة الاستعلامات إلى رويترز وبي بي سي معًا.

أما من حيث الموضوعات التي تناولتها بيانات هيئة الاستعلامات على مدار الفترة التي يغطيها التقرير، فيمكن تقسيمها إلى الآتي: قضايا الإرهاب، والتي تشمل الهجمات الإرهابية والعمليات التي تقوم بها القوات المسلحة المصرية، وقضايا السياسة الخارجية، وقضايا حقوق الإنسان، وأخيرًا قضايا الديمقراطية والتي تشمل تغطية عمليات الانتخاب والاستفتاء. وجاءت قضايا حقوق الإنسان على رأس الموضوعات التي تناولتها بيانات هيئة الاستعلامات بـ7 بيانات، يليها قضايا الديمقراطية بـ5 بيانات، ثم كلٌّ من الإرهاب والسياسة الخارجية بـ4 بيانات لكل منهما على حدة.

واستكمالًا لهذه الإحصائيات، تجدر الإشارة إلى أن الهيئة العامة للاستعلامات تمكنت في واقعتين من إجبار وسيلة الإعلام الأجنبية على حذف المحتوى، الأولى من خلال قيام وكالة رويترز بحذف تقريرها عن انتخابات الرئاسة 2018، وقالت الوكالة إن المحتوى تم حذفه لأنه لا يناسب معاييرها، بينما قام موقع روسيا اليوم بحذف استطلاع رأيٍ للجمهور حول تبعية منطقة حلايب وشلاتين. وفي واقعة واحدة، وهي هجوم الواحات الإرهابي، نشرت رويترز وبي بي سي أعداد ضحايا الهجوم، التي أعلنتها السلطات المصرية في بياناتها الرسمية، بعد أن كان هناك اعتماد على تقديرات مصادر أمنية.

وأكدت الورقة البحثية الهيئة العامة للاستعلامات اعتمدت على إصدار البيانات الرسمية، ومن ثم التحرك نحو التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية، من خلال الاتصال بالمسئولين عنها، وفي بعض الأحيان طلب إجراء لقاءات معهم في مقر الهيئة العامة للاستعلامات، وتناول تفاصيل عملهم على التقارير المنشورة عن مصر. وهذه السياسة تعتمد على جعل جانب من الضغوط على وسائل الإعلام الأجنبية يتم بشكل علني، بحيث تمثل رسائل تهديد مستمرة للصحفيين الأجانب في مصر، فإذا كانت وسائل إعلام كبيرة تواجه ضغوطًا مستمرة بهذا الشكل، فما الذي يمكن أن يلحق بمراسلين يعملون لصالح صحف صغيرة أو بشكل حر.

أما الجانب الآخر من سياسة الهيئة العامة للاستعلامات فهو استخدام حملات التشويه تجاه الإعلام الأجنبي من خلال وسائل الإعلام المحلية، بهدف فرض ضغوط غير رسمية، مثل تخوف أو رفض مسئولين وخبراء ومعلقين من التواصل مع وسائل إعلام أجنبية تهاجمها هيئة الاستعلامات، وكذا تعرض مواطنين في الشوارع لوسائل إعلام معينة أو صحفيين أجانب، أثناء عملهم.

وأضاف التقرير أنه على مدار الشهور التالية، شارك رئيس هيئة الاستعلامات في مقابلات تلفزيونية عديدة، تناول فيها دوره في التصدي لما يقوم به الإعلام الأجنبي من تشويه لسمعة مصر دوليًّا، وعرض فيها ردوده على ما يصفه بالأخطاء المهنية التي ترتكبها وسائل الإعلام الأجنبية. بينما استمر الإعلام المحلي في حملة التشويه التي أطلقتها الهيئة العامة للاستعلامات ضد وسائل الإعلام الأجنبية.


 


تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك