من الدار للنار .. مايحدث للفتاة الهاربة من جحيم المنزل

731

لنتحدث بصراحة عن واقع مؤلم تخفية جدران المنازل ويتغاضى عنه الجميع عمدا، بل و دائما نحاول استنكاره  بشدة إما لأننا ليس بيدينا حيلة أو لأننا أكثر جبنا من مواجهة أنفسنا للإعتراف بأن السبب في هذه الظاهره خطأ فادح له عواقب وخيمة . هروب الفتيات بسبب العنف المنزلي الممارس عليهن ، لن اتحدث عن العنف ضد المراة والذي يدخل فيه الزوج كطرف ، انما اتحدث عن الفتيات حديثات السن  اللاتي نسمع صراخهن ليلا ونهارا فنغلق آذاننا و وأبوابنا عنهم  ونقول ( مالناش دعوه .. أهلها بيربوها ) واذا ألمنا ضميرنا قليلا بسبب بعض الكدمات الزرقاء في أجسادهن نلقي عليهن اللوم ب( انك اكيد عصبتي بابا) واذا استمعنا لبعض من رواياتهن ننزل الستار على كلمة موحدة أن الذي فعل بك هذا ( مضطرب نفسيا ) وننام قريري العين ..غير ان ذلك لن يغير من الحقيقة شيئا .

ان حالات هروب الفتيات من منزل ابائهم في تزايد مستمر والسبب الأول والأوحد هو الهروب .. الهروب من منزل فقدوا فيه احساس الأمان والطمأنينة والدفء داخل أربعة جدران مغلقة ، ليلقفهم الشارع بمصير مجهول قد يكون أكثر رحمة أو أشد قسوة . وكان السؤال الذي يجب ان يشغل بالنا هو : ماذا يحدث لهن اذا كان مصيرهن الشارع ؟ وأين الدولة والقانون والمجتمع من هذا ؟


تمكنت من الحديث مع فتيات لجئوا للشارع هربا من حجيم المنزل .. ( جحيم ) هي الكلمة التي اتفقوا على لفظها دون أن يستمعوا لبعضهن البعض .. من أقاليم مختلفة وخلفيات ثقافية متنوعه أعمارهن كانت تتراوح بين 16 و22 عندما قررن الهرب من المنزل ، استمعت لقصص عديدة اخترت منها نموذجين لأذكرهما....

 قصتين متشابهتين ونهايات مختلفة  ...

(ر.أ) عندما رأيتها للمرة الأولى فاجئني جمالها ورقة كلماتها ، بدت ملامحها المبهجة وابتسامتها الواسعة كأنها لم تذق الألم يوما .. قالت ( بابا ده مكانش طبيعي كان بيتفنن بطرق الضرب والقهر والتعذيب ليا عشان هوه شايف ان البنت لازم تنضرب ، وكان بيضرب بسبب ومن غير سبب ، تكتيف وجلد وحرق ، ماقدرتش أستحمل .. لما فتحت الباب وهربت مافكرتش هاعمل إيه او اروح فين ، ولو لجأت لحد من العيلة بيرجعوني عنده وأمي أضعف بكتير انها كانت تقف له عشاني .. مشيت من غير فلوس ولا وظيفة ولا حرفة ولا شهادة وروحت محافظة تانية أدور على شغل الصبح وأدور على سكن بالليل.. لما باتعب باقعد على أي قهوه وأنام لحد الصبح وكنت باقسم علبة الكشري آكلها على يومين ، المساومات على جسمي كانت كتير وكنت ممكن ألجأ للحل ده لكن ماقدرتش ورفضت .. اتعرفت على ناس وفرولي سكن واتعلمت شغل على الانترنت بنفسي لحد ما اتقبلت في وظيفه دعمتني وكبرت نفسي فيها .. عرفت أخد سكن لوحدي وخليت والدتي تهرب وتجيلي ..الشارع كان بهدلة بس عرفت أحافظ على نفسي وأحمي كرامتي وأكون بني آدمة قوية ..أمي بقت معايا دلوقتي وابويا وأهلي مايعرفوش مكاننا وحياتنا بقت أحسن كتير وأكثر آدمية من ما كنا معاه ) .

أما (ك.م) كان شكلها يعطيها فوق عمرها عمرا آخر ، حركة يديها واهتزاز قدمها بعصبية أنذروني بأنها تواجه صعوبة في العودة للماضي للحديث عن الأمر ، الا انها قررت أنها تريد أن تتكلم لتزيح القليل عن صدرها ..( من زمان واحنا كلنا بننضرب في البيت ، اما من بابا أو من أخويا ، لو حد فيهم اتخانق بره بييجوا يضربونا، لو الأهلي خسر بييجوا يضربونا ، أكتر من مرة ننضرب بآلات حادة وتقطيع شعر لو لفة الطرحة معجبتهمش او عندهم تعليق على لبسنا .. التفاهم بالإيد واللسان الطويل دي الطريقة المعتمدة عشان نفضل نخاف ..في يوم اخويا شافني بسلم على قريبنا في الشارع عادي قدام الناس وكانت النتيجة انه ضربني لحد ما عملي كسر في دراعي ، روحت أعمل له محضر الظابط مارضاش يعمله وقاللي من حقهم يربوكي ولما رجعوني معاهم البيت ضربني هوه وبابا وقالولي اني هضيع شرفهم وعايزه انحرف ..انا معملتش حاجه لكل ده انا سلمت على قريبنا قدام الناس كلها في الشارع بتاعنا !! اتحبست في البيت وحلقلي شعري ، كل يوم اهانه وضرب.. لما استنجدت بالجيران قفلوا بابهم في وشي ..كل الغضب اللي جوايا اتحول اني لازم اقهره واوجعه وأفضحه بجد فهربت... نمت تحت الكبري وأكلت من الزباله مع القطط ، اشتغلت باليوميه واستغليت جنسيا ..جوعت واتبهدلت كتير اوي لحد مالقيت شغل في دار مسنين واتعرفت على ناس ساعدوني واتعالجت نفسيا .. عارفه اني مش اسعد حد بس عالأقل مبقتش خايفه ) 

أين الأمن والأمان والبيوت الآمنه ؟

سألت الفتيات عن اذا كانوا قد حاولوا اللجوء لحلول بديلة قبل أن يقررن النفاذ بجلودهن من المنزل ، صدمتني الإجابات كثيرا ، اذ انهم اذا لجئوا الى الجيران فان أقصى ما في استطاعتهم هو تهدئة الوالد والتحدث معه بالحسنى .. اذا لجئوا للأهل والأقارب امتنعوا عن التدخل بالأمور العائلية وردوهم الى ذويهم ليلقوا أشد العقوبات مرة أخرى .. ومن فاض بهن الأمر واعتقدوا بأن الشرطة يمكنها ردع الأذى الواقع عليهم يفاجئوا انه حتى الآن لايوجد ما يسمى بقانون العنف المنزلي الذي يمكنه حمايتهم من تمادي الأهل في إيذائهم .. أكثر الفتيات لم يعلموا بوجود ما يسمى ( بالبيوت الآمنه أو الشيلتر) وهي بيوت انشأتها وزارة التضامن الإجتماعي للنساء المعنفات والناجيات من العنف المنزلي .. الأدهى من ذلك هو عندما بحثت عن أماكن تواجد هذه البيوت في مصر وشروط قبولها للحالات .. فتبين انه يوجد على مستوى مصر 9 بيوت آمنه تابعه لوزارة التضامن الاجتماعي ... أماكنهم غير معلنه .. أرقام التواصل معهن غير متاحه .. أغلبهم تم إغلاقه بسبب نقص الدعم المادي أو بسبب توقف الجمعيات الأهلية المسؤولة عنه ، الشرط الأول في قبول المعنفات في مثل هذه البيوت هو أن تكون امرأة متزوجة أو مطلقة وليست قاصر !! بل والأكثر عجبا هو أماكن وجود البيوت الآمنه والقائمين عليها .. ففي روايات بعض الباحثات في مجال المرأة  أن القائمة على الدار قد لا تقبل بحالة الفتاة فتعود مرة اخرى الى الشارع...أما البيوت الآمنه الموجودة في  مناطق شعبية  فتكون محاطة بذئاب مترقبة تدور حول الأسوار الحديدية منتظرة أي امرأه تخرج بمفردها باكرا أو تعود متأخره لتكون فريسة اعينهم وألفاظهم. اذن وحتى اذا كانت بعض الفتيات على علم بوجود بيت آمن فلن تعرف له سبيلا .. وان عرفت فقد لا يتم قبولها لعدم استيفائها الشروط فيدفعون دفعا للعودة الى مصائر سوداء... قد يختارون طرقا أسهل للانتقام من المجتمع بالتحول الى لصوص أو نصابين.. أو يسلكون طريق البغاء في مجتمع لا يرحمهم ولا يرحم آدميتهم .. أو قد ينتقمون من انفسهم باإنتحار او ايذاء النفس .. ان عدنا للوراء قليلا، نجد أن مطالبهم بسيطة ..بيتا آمنا دافئا.. قوانين تحفظ أدميتهم وتحميهم..نشأة سوية وتربية خالية من العنف ، تلك أبسط الأشياء التي أرى أنه يجب أن يتعاون المجتمع والدولة لتحقيقها حتى نستطيع أن نوقف تلك الكارثة التي اذا ما بدأت لن نجد لها نهاية ترضينا ... نريد قانونا يحمي من العنف المنزلي على القصر وغير القصر ، نريد أن تدرس اسس وطرق التربية الصحيحه الخالية من العنف في المدارس والجامعات وتلقى بها الخطب في الجوامع والكنائس وتعلق بها اللافتات في الطرقات وتمنهج لها الحملات الدعائية .. نريد بيوتا آمنة مطابقة للمعايير الدولية .. فإن لم تستطيعوا ذلك ، فأفرغوا جميع عقاقير العلاج النفسي في نهر النيل .

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك