عن فلسفة إبن رُشد وتخلف رجال الدين

762

أبدأ المقال بمشهد الفيلسوف العظيم إبن رشد وهو بالقرب من كتبه ويجاوره تلميذه - والكتب تشتعل بها النيران - ولكنها نيران الجهل بل هي نيران رجال الدين ، ووقتها كان تلميذه يبكي

- فالتفت اليه إبن رشد قائلاً : "إذا كنت تبكي حال المسلمين فاعلم ان بحار العالم لن تكفيك دموعاً ، أما إذا كنت تبكي الكتب المحروقة - فاعلم ان للأفكار أجنحة وهي تطير .

" إبن رشد - والذي ربما تأخرت في البحث عنه والقراءة له وعنه! فمِن هنا نبدأ حديثنا عن العظيم وفلسفته وتجربته .

في عصر إبن رشد كان الخلفاء حين ذاك يعتبرون الفلسفة زندقة صريحة وامراً مكروهاً - وكانوا يعتمدون على رجال الدين ويضطهدون كل ما هو عاملٌ للعقلِ - وهذا الفضل " من سوء سُمعة للفلسفة والفلاسفة - وخلق الخوف في قلوب الخلفاء والعوام من الشعب من الفلسفة" يعود إلى رجال الدين والفقهاء ! وهم ايضاً " اقصد رجال الدين" الذين اقنعوا الخليفة يعقوب المنصور بحرق كتب واعمال إبن رشد ومنعه من الصلاة في المسجد ونفيه الى اليسانه .

لم يشتهر إبن رشد بالشرق كما اشتهر بالغرب وهذا له اسبابه والتي في مقدمتها حرق كتبه بقرطبه و "سيطرة" رجال الدين والفقهاء على عقول الناس ونشر اقاويل و تهم ضد إبن رشد بإنه من الملحدين الزنادقة !! وهنا نسأل انفسنا لماذا كل هذا الغل والحقد من رجال الدين بالأمس واليوم ضد إبن رشد وفلسفته ؟

- بدايةً لأنه كان يدعو الى فصل الدين عن السياسة

- كان يدعو الى العلمانية "بمصطلح اليوم" فقد ذهب الى القول بفصل القضايا الدينية عن القضايا السياسية وتغليب العقل عندما يتعارض الدين معه.

- وأيضاً هذا ببساطة لأن إبن رشد قرر أن النظر في الموجودات واجب بالشرع ، ووجوب استعمال القياس العقلي..

وهذا يتنافى مع افكار واساليب رجال الدين ! إن اسلوب رجال الدين هو تغييب العقل ورفضه أمام النص القرآني - بل وأمام الحياة بأكملها!!

رجال الدين منذ قديم الأزل يستمدون سُلطتهم ووضعهم الاجتماعي عن طريق التابعين لهم

- ولن يأتي تابعين إلا بتقييد العقل - وتقييد العقل ظهر بالترهيب لكل من يعمل بالفلسفة - وان من مظاهر الالحاد هو التساؤل الكثير !!

عزيزي/عزيزتي القاريء/ة - أن القرآن يحتوي على عناصر فلسفية بالفعل - كالكون والخلق والمصير والإنسان ، وهنا ذهب إبن رشد الى أستخدام الفلسفة في تأويل النصوص الدينية - والحث على هدف الفلسفة ان تكون معرفتنا بالله معرفة عقلية - وهذا وارد في النص القرآني . يقول إبن رشد في كتابه "

فصل المقال" : هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح في الشرع ام محظور ام مأمور به؟ إما على جهة الندب وإما على جهة الوجوب ،،

فنقول : إن كان فعل الفلسفة ليست شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات ، فإن الموجودات تدل على الصانع لمعرفة صنعها ،،

وانه كلما كانت المعرفة بصنعها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم ..

وكان الشرع قد ندب الى اعتبار الموجودات وحث على ذلك - فبين ان ما يدل عليه هذا الاسم إما واجب بالشرع أو مندوب إليه" .

كان يتسائل إبن رشد أيضاً : لماذا تكون المعرفة بالعقل أتم من المعرفة عن طريق الوحي؟ فكان جوابه / تقوم على أن الصانع ذاته قد دعا إلى ضرورة إعمال العقلي وهذا وارد في القرآن .

إذاً النظر في المصنوعات ومعرفتها لتكون المعرفة بالصانع اتم واجب على الشرع ومندوب إليه ،،

فيكون أن المصنوعات تدل على الصانع - الله . إقتباساً من كتاب " فلسفة إبن رشد" لفرح انطون - صفحة 48 : أن فلسفة إبن رشد تنطوي على الآتي - إن اعظم المسائل التي شغلت إبن رشد " حكيم قرطبة" مسألة اصل الكائنات - وهو يرى في ذلك رأي أرسطو - فيقول : إن كل فعل يفضي الى خلق شيء انما هو عبارة عن حركة ..

والحركة تقتضي شيئأ لتحركه ويتم فيه بواسطتها فعل الخلق .. وهذا الشيء هو في رأيه المادة الاصلية التي صُنعت الكائنات منها ، ولكن ما هي هذه المادة ؟ هي شيء قابل للإنفعال ولا حد له ولا أسم ولا وصف ،،

بل هي ضرب من الافتراض لا بُد منه ولا غنى عنه .. وبناءً عليه يكون كل جسم أبدياً بسبب مادته أي انه لا يتلاشى ابدأ لأن مادته لا تتلاشى ابداً ،،

وكل امر يمكن انتقاله من حيز القوة الى حيز الفعل لا بُد له من هذا الانتقال وإلا حدث له فراغ ووقوف في الكون ،، وعلى ذلك تكون الحركة مستمرة في العالم ولولا هذه الحركة المستمرة لما حدثت التحولات المتتالية الواجبة لخلق العالم بل لما حدث شيءٌ قط...

وبناءً عليه - فالمحرك الاول الذي هو مصدر القوة والفعل " أي الخالق سبحانه وتعالى" يكون غير مختار في فعله .

وفكرة إبن رشد عن خلق العالم - هي تشبه الى حد كبير مذهب الماديين . العودة الى فلسفة إبن رشد إنما هي عودة إلى العقل والإبتعاد عن النقل!

انما هي عودة الى التعددية والاختلاف وقبول الآخر .. أن إبن رشد دعا في كتبه - او ما تبقى من كتب واعمال له - الى ان الفلسفة ليست ضد الشريعة والدين - " بل هي اختها الرضيعة" - ونقد مسائل الفقة الإسلامي التي سبق لرجال الدين ان وضعوها ونصبوها كحقائق مطلقة مقدسة غير قابلة للنقاش مهما تغير الزمن ، وظهر استياء ابن رشد مما اصاب الشريعة من تحريف مما بعد عنها العقل والانسانية وظهرت بمظهر وحشي ! وكان ابن رشد يدعو دائماً الى ان يختص الفلاسفة والحكماء " الذين يقدسون العقل والانسان" بالتأويل والتفسير والاجتهاد في اصل الشريعة..

هذا لأنه كان يؤمن بأن النصوص الدينية تحتاج الى التأويل والاجتهاد وهذا يحتاج الى القياس العقلي . نهاية القول ، أن التطرف الديني ليس وليد اليوم ولا ظهر بظهور الحداثة كما يروج له الشيوخ والمتدينين !! بل هو قديم - منذ إن عانى الأمرّين إبن رشد وغيره من الفلاسفة - ووقتها اطلق إبن رشد على رجال الدين "سفلة الدهماء" - وهم بحق الله اقول " سفلة الدهماء كما قال الرجل" .. إن إبن رشد - إحدى ضحايا رجال الدين .. و ظل الى هذا اليوم هناك شعوب اندثرت في غياهب الجهل والتخلف بسبب رجال الدين - ويظل رجال الدين يزدادون تعلقاً بالماضي وتمسكاً بحرفية النص الديني و في المقابل يزداد اعداد ضحاياهم الى يومنا هذا.

تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك