"الشعب بين المطرقة والسندان"

432

مفارقة صعبة يعيشها الشعب المقهور والمغلوب على أمره في كل مكان. فهو يجد نفسه بين مطرقة الحاكم الفاسد الذي يمثل نظاما فاسدا، وسندان المعارضة المخادعة المدعومة من أعداء الوطن نفسه. أمرين أحلاهما مر.


هذه الوضعية يصعب معها التنظير والتحليل. فالإيمان بأن تغيير شخص الحاكم سيقود إلى الحرية والكرامة وسيجعل من الأوطان نعيما هو بمثابة الإيمان باليوتوبيا، فالأمر ليس كالعزف على البيانو؛ بمجرد أن تضغط على مفتاح ما حتى تنطلق نوتة موسيقية تلقائية. فمخطئ من يظن أنه بسقوط رأس النظام سيسقط النظام بأكمله؛ فهو مرتبط بنظام عالمي كذلك في شبكة عنكبوتية أشبه بعقدة الأفاعي؛ ما إن تمس أفعى حتى تلدغك حية أخرى، لتجد نفسك تتجرع مرارة نفس السم. وكذلك الوثوق بشخص يُحدث الناس على أريكة وثيرة من وراء الشاشة وبعيدا عن اليومي الخانق للمواطن المنكسر لتتلقف أقواله قنوات لطالما عُرفت بتاريخها الدنيء في الفبركة والتدليس والكذب والمواقف اللاحيادية،  هذا الوثوق بمثابة المجازفة.


الأمر صعب، فحتى الأفكار الجميلة التي نشرها جان جاك روسو وألهمت الثوار والرومانسيين (أقصد هنا رواد المذهب الرومانسي آنذاك) أفرزت سفاحين أرهبوا فرنسا كروبسبيير الذي كان أحد رواد الثورة، التي يضرب بها المثل في كل مكان، فكانت المقصلة والسجن مصير الآلاف من المعارضين له إلى أن ذاق هو نفسه طعم المقصلة المعدني. فالشعارات الرنانة بِغد أفضل وحلم جميل يوشك على التحقق سرعان ما تصبح تراجيديا في ختامها يلقى الأبطال حتفهم وتموت أحلامهم معهم كمصرع طائر. و ماكان ممكنا يصبح مستحيلا ويدخل الشك عن مدى جدوى الفعل الثوري في غياب الاستمرارية وحضور المتربصين والحربائيين و بدل أن يولد البطل من رحم المعاناة يُصنع الصنم من نحاس الإيمان والتمجيد. ليصير بدوره طاغية.


فكرة فشل الثورة ترعبنا لخطورة الأمثلة التاريخية وكذلك فكرة الانتظار البقري البهيمي تخجلنا وتدمرنا من الداخل! وبين هذا وذاك قهر اللحظة وحاضر عبثي.



تسجيل الايميل

شارك وفكر معانا وابعت تدوينتك